المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غرفــــة الأحــــزان (( قصة واقعية ))


مشاعر
18/4/2002, 14:04
يقول أحدهم : كان لي صديق ، أحبه لفضله وأدبه ، وكان يروقني منظره ويؤنسني محضره ؛ قضيت في صحبته عهداً طويلاً ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئاً ، حتى سافرت وتراسلنا حيناً ثم انقطعت بيننا العلاقات ...
ثم رجعت إلى بلدي وجعلت أكبر همي أن أراه لما بيني وبينه من صله ، وطلبته في جميع المواطن التي كنت ألقاه فيها فلم أجد له أثرا ؛؛ وذهبت إلى منزله فأخبرني جيرانه أنه نقل منذ عهدٍ بعيد .. ووقفت بين اليأس والرجاء بغالب ظني أني لن أراه بعد ذلك اليوم ، وأنني فقدت ذلك الرجل ....

وبينما أنا عائد إلى منزلي في ليلة من الليالي ، دفعني جهلي بالطريق في الظلام إلى سلوك طريقٍ موحش مهجور ، يخيّـل للناظر فيه أنه مسكن للجان إذ لا وجود للإنس فيه ، فشعرت وكأنني أخوض في بحر ، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر ، فما أن توسطت الشارع حتى سمعت في منزلٍ من تلك المنازل أنّـــة تتردد في جوف الليل ، ثم تلتها أختها ، فأثر في نفسي هذا الأنين.. وقلت : يا للعجب ،، كم يكتم هذا الليل من أسرار ...

وكنت قد عاهدت الله ألا أرى حزيناً إلا وساعدته .. فتلمست الطريق إلى ذلك المنزل ، وطرقت الباب طرقاً خفيفاً ، ثم طرقته طرقاً أكثر قوّة ... وإذا بالباب يفتح من قبل فتاة صغيرة .. فتأملتها وإذا في يدها مصباح وعليها ثياب ممزقة وقلت لها : هل عندكم مريض ؟؟ ... فزفرت زفرة كادت تقطع نياط قلبها وقالت : نعم .. أفزع فإن أبي يحتضر ...

ثم مشت أمامي وتبعتها حتى وصلت إلى غرفةٍ ذات باب قصير ودخلتها ؛ فخيّـل إلي أني أدخل إلى قبر وليس إلى غرفة ، وإلى ميتٍ وليس إلى مريض ، ودنوت منه حتى صرت بجانبه ، فإذا بقفصٍ من العظام يتردد فيه نفس من الهواء ... وضعت يدي على جبينه ، ففتح عينيه وأطال النظر إلى وجهي ، ثم فتح شفتيه وقال بصوتٍ خافض : أحمد الله .. لقد وجدتك يا صديقي ...
فشعرت وكأن قلبي يتمزق ، وعلمت أنني قد عثرت على ضالتي التي كنت أنشدها ، وإذا به رفيقي الذي كنت أعرفه ولكنني لم أعرفه من مرضه وشدّة هزاله ... وقلت له : قص علي قصتك ،، أخبرني ما خبرك ... فقال لي أسمع منّـي :
قال منذ سنين كنت أسكن أنا ووالدتي بيتاً ويسكن بجوارنا رجل من أهل الثراء ، وكان قصره يضم بين جنباته فتاة جميلة .. ألم بنفسي من الوجد والشوق ما لم أستطع معه صبرا .. ومازلت أتابعها وأعالج أمرها حتى أوقعتها في شباكي ، وأتى في قلبها ما أتى في قلبي ، وعثرت عليها في لحظة من الغفلة عن الله ، بعد أن وعدتها بالزواج ‘ فاستجابت لي ، وأسلست قيادها ، وسلبتها شرفها في يوم من الأيام ..
وما هي إلا أيام حتى عرفت أن في بطنها جنيناً يضطرب ، فأسقط في يدي ، وطفقت أبتعد عنها وأقطع حبل ودها ، وهجرت ذلك المنزل التي كنت أزورها فيه ، لم يعد يهمني من أمرها شيئا .. ومرت على الحادثة أعوام ...
وفي ذات يوم حمل إليّ البريد رسالة مددتها وقرأت ما بداخلها ، وإذا بها تكتب إلي .. وتقول :
لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهداً دارساً ، أو حباً قديماً ، ما كتبت والله سطرا ، ولا خططت حرفا ، لأنني أعتقد أن رجلاً مثلك رجل غادر ، وود مثلك وداً كاذب يستحق ألا أحفل به و ءأسف أن أطلب تجديده ...
إنك عرفت كيف تتركني وبين جنبي ناراً تضطرب وجنيناً يضطرب ، تلك للأسف على الماضي ، وذاك للخوف على المستقبل ... فلم تبالي بي وفررت مني حتى لا تحمّـل نفسك مؤنت النظر إلى شقاء وعذاب أنت سببه ،، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت الذي أرسلتها ... فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف ؟؟ ... لا والله بل لا أستطيع أن أتصوّر مجرد أنك إنسان ... إنك ذئب بشري ، لأنك ما تركت خلة من الخلال في نفوس العجماوات وأوابد الوحش إلا جمعتها في نفسك ....
خنتني إذ عاهدتني على الزواج ، فأخلفت وعدك .. ونظرت في قلبك وقلت : كيف أتزوج من امرأة مجرمه ؟ .. وما هذه الجريمة إلا صنعة يدك ، وجريرة نفسك ، ولولاك لما كنت مجرمة ولا ساقطة ... قد دافعتك جهدي حتى عييت بأمرك ، وسقطت بين يديك سقوط الطفل الصغير بين يدي جبار كبير ....
سرقت عفّـتي ، فأصبحت ذليلة النفس ، حزينة القلب ، أستثقل الحياة ، وأستبطئ الأجل ، وأي لذة لعيش امرأة لا تستطيع أن تكون في مستقبل أيامها زوجة لرجل ، ولا أماً لولد ، بل لا أستطيع أن أعيش في مجتمع من هذه المجتمعات إلا وأنا خافضة الرأس ، مسبلة الجفن ، واضعة خدي على الكف ، ترتعد أوصالي ، وتذوب أحشائي خوفاً من عبث العابثين ، وتهكّـم المتهكّـمين ....
سلبتني راحتي ، قضيت على حياتي ، قتلتني وقتلت شرفي وعرضي ؛ بل قتلت أمي وأبي ، فقد مات أبي وأمي وما أظن موتهما إلا حزناً علي لفقدي ... لقد قتلتني لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك بلغ من جسمي ونفسي ، وأصبحت في فراش الموت كالذبابة تحترق ، تتلاشى نفس بعد نفس ...
هربت من بيت والدي إذ لم يكن عندي قدرة لمواجهة بيتي وأمي وأبي ، وذهبت إلى منزل مهجور وعشت فيه عيش الهوان وتبت إلى الله ، وإني لأرجو أن يكون الله قد قبل توبتي واستجاب دعائي ، وينقلني من دار الموت والموت والشقاء إلى دار الحياة والهناء .... و هاأنا ذا أموت وأنت كاذب خادع ، ولص قاتل ، ولا أظن أن الله تاركك دون أن يأخذ لي بحقي منك ،،،
ما كتبت والله لأجدد بك عهداً ، وأخطب لك وداً ، فأنت عندي أهون علي من ذلك ... أنني قد أصبحت عند باب القبر وفي موقف أودع فيه الحياة ، سعادتها وشقاؤها ، فلا أمل لي في ودها ، ولا متسع لي في عهدها ، وإنما كتبت لك لأن عندي وديعة لك ، هي ابنتك ... فإن كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك ، أبقى منها رحمة الأبوة ، فأقبلها وخذها إليك حتى لا يدركها من الشقاء مثل ما أدرك أمها من قبل ......
وقد ماتت وتركت هذه البنت في ذلك المكان المهجور ......

ويقول الرجل : ما أن أتممت قراءة هذا الكتاب ، حتى أحسست برعدة تتمشى في جميع أوصالي ‘ وخيّـل إلي أن صدري يحاول أن ينشقّ عن قلبي ، فأسرعت إلى منزلها الذي تراني فيه الآن ، ورأيتها في هذه الغرفة وهي تنام على هذا السرير جثة هامدة لا حراك فيها ، ورأيت هذه الطفلة التي تراها وهي في العاشرة من عمرها تبكي حزناً على أمها ، وتمثلت لي جرائمي في غشيتي كأنما هي وحوش ضارية ، هذا ينشب أظفاره ، وذاك حدد أنيابه ....
فما أفقت حتى عاهدت الله ألا أبرح هذه الغرفة التي أسميتها غرفت الأحزان ، حتى أعيش عيشت تلك الفتاة ، وأموت كما ماتت وهاأنا ذا أموت راضيا اليوم مسروراً ، وقد تبت إلى الله ، وثقتي في ربي أن الله عز وجل لا يخلف ما وعدني ولعل ما قاسيت من العذاب والعناء ، وكابدت من الألم والشقاء كفارة لخطيئتي ..............



:jhgy: :jhgy: :jhgy:

هاوي الهلال
18/4/2002, 17:53
اهلين اخت مشاعر ...


قصه روعه :jhgy: :jhgy: :jhgy: :jhgy:


مشكوره ويعطيكي العافيه ..

باايات
خالد

الغالي حسين
19/4/2002, 01:04
يالله ...

قصه يقشعر لها البدن ...

على فكره .. حلو توقيعك ..

ابو ساره
19/4/2002, 01:18
قصه موثره جدا
لكن الف شكر

مشاعر
19/4/2002, 03:46
مررررحبا ..



هاوي الهلال ..
هلا بك اخوي ..
والله يعافيك يارب :)



الغالي حسين ..
تسلم اخوي على الرد ..
من ذوقك والله ..
والتوقيع ما يغلى عليك :) ..



ابو ساره ..
العفو اخوي .. ومشكور على ردك :)