الكاسر888
23/1/2003, 17:51
بسم الله الرحمن الرحيم
فهذا جهد بسيط قمت به وهو بعمل بحيث صغينون عن قضية تؤرق الدول والأفراد..
الإشاعة في اللغة :
قال في اللسان تحت مادة "شيع" :
" شيعت فلاناً اتبعتُهُ . وشايعه : تابعه وقوَّاه . ويقال : شاعات الخير : أي لا فارقك . ومنه تشييع النار بإلقاء الحطب عليها . وشيعه : خرج معه عند رحيله ليودعه .
وتشيَّعَ في المشيء : استهلك في هواه . والشيوع : ما أوقد به النار . يقال شيع الرجل بالنار: أحرقه . والمشيع : العجول . والشَّياع : صوت قصبة الراعي وشبابته .
وأشاع بالإبل وشايع بها وشايعها مشايعة : أهاب بمعنى صاح ودعا .
وشاع الشيب : انتشر . وشاع الخبر : ذاع . وأشاع ذكر الشيء : أطاره . أشعث المال : فرقته .
والشاعة : الأخبار المنتشرة . ورجل مشياع : أي مذياع لا يكتم سرّاً . وشاع الصدع في الزجاجة : استطار " اهـ .
وقال الراغب الأصفهاني في المفردات : شيع : الشياع : الانتشار والتقوية . يقال : شاع الخبر أي كثر وقوي . وشاع القوم : انتشروا وكثروا . وشيعت النار بالحطب : قويتها . والشيعة : من يتقوى بهم الإنسان وينتشرون عنه ، ومنه قيل للشجاع مشيع . يقال : شيعة وشيع وأشياع . قال تعالى : { وإن من شيعته لإبراهيم } . { هذا من شيعته وهذا من عدوه}. { وجعل أهلها شيعاً } . { في شيع الأولين } . { ولقد أهلكنا أشياعكم } .
وفي معجم مقاييس اللغة نلاحظ أن المادة " شع " أيضاً تأتي بمعنى قريب من معنى مادة شيع فهي بمعنى : تفرق وانتشر ومن ذلك شعاع الشمس . والشعاع – بالفتح – الدم المتفرق .
والمعنى المشترك البارز بين هذه المعاني اللغوية لمادة شيع هو الانتشار والتكاثر .
الإشاعة في الاصطلاح :
لها عدة تعريفات :
قيل ( كل قضية أو عبارة مقدمة للتصديق تتناقل من شخص إلى شخص دون أن تكون لها معايير أكيدة للصدق ) .
وقيل ( هي اصطلاح يطلق على رأي موضوعي معين كي يؤمن به من يسمعه وهي تنتقل عادة من شخص إلى آخر عن طريق الكلمة الشفهية دون أن يتطلب ذلك مستوى من البرهان أو الدليل ) ومن التعاريف أيضاً أنها :
( بث خبر من مصدر ما في ظرف معين ولهدف ما يبغيه المصدر دون علم الآخرين وانتشار هذا الخبر بين أفراد مجموعة معينة ) .
أو هي : ( الأحاديث والأقوال والأخبار التي يتناقلها الناس والقصص التي يروونها دون التثبت من صحتها أو التحقق من صدقها ) .
ومن التعاريف للإشاعة أيضاً :
أنها ( أخبار مشكوك في صحتها ويتعذر التحقق من أصلها وتتعلق بموضوعات لها أهمية لدى الموجهة إليهم ويؤدي تصديقهم أو نشرهم لها إلى إضعاف روحهم المعنوية ) .
أو هي :
( النبأ الهادف الذي يكون مصدره مجهولاً وهي سريعة الانتشار ذات طابع استفزازي أو هادئ حسب طبيعة ذلك النبأ ) .
وكما يلاحظ فإن هناك رابطاً بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ، وعاملاً مشتركاً هو الانتشار والتزايد .
مصادر الإشاعات:
منشأ الإشاعة وأساسها غالباً ما يكون :
خبر من شخص .
أو خبر من جريدة .
أو خبر من مجلة .
أو خبر من إذاعة .
أو خبر من تلفاز .
أو خبر من رسالة خطية .
أو خبر من شريط مسجل .
أو خبر في منتدى.
أو خبر في موقع انترنتي.
أو عن طريق الإيملات.
فهذه الوسائل هي طرق تناقل الأخبار بين الناس وانتشارها بينهم .
ولذا على ناقل الخبر أن يتروى ويتثبت في كل ما يقال وليحذر أن يبادر بالتصديق الفوري فإن الأصل البراءة التامة وتلك الإشاعة ناشئة طارئة والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى تقوم الأدلة الواضحة على ذلك .
أنواع الإشاعات:
تختلف الإشاعة حسب اختلاف الشخص المنقول عنه أو الأشخاص المنقول عنهم .
فتارة تكون الإشاعة مدحاً وتارة تكون ذماً وتارة تكون خليطاً بين النوعين . وتارة تكون غريبة أي في سياق وقائعها حتى تكون في عداد المستحيلات لكن تلقف الناس وتناقله لها جعل المستحيل أمراً ممكن الوقوع .
مرد الإشاعة "المشاع عنه" .
كثرة الإشاعات وتنوعها تدل على تنوع المشاع عنهم .
فتارة يكون الشيء المشاع عنه :
شخصاً موسوماً بالخير والصلاح أو شخصاً على العكس من ذلك . أو حدث غريب وهو أنواع كثيرة وبعض الأحداث شديدة الغرابة إلى حد كبير وضابطها : أمر يستحيل وقوعه أو يكاد يكون مستحيلاً .
أو قد تكون لزعزعة أمن دوله.
أو تكون من بعض الجهات لجس نبض الشارع
ما مقاصد ترويج الإشاعه:
مروّج الإشاعة لا يخلو مراده من مقاصد عدة .
الأول : النصح :
بمعنى أن ترديده لتلك الإشاعة في مجلسه أو مجالسه إنما هو بدافع الحرص على نصح ذلك المشاع عنه .
ولست بصدد بيان صحة هذا الأسلوب من خطأه . إنما الشاهد أن هذه طريقة بعض الناس في ترويج الإشاعة بدعوى النصح للمشاع عنه كما يزعم .
الثاني : الشماتة :
وذلك بأن يكون الدافع والمحرك لنشر الإشاعة وترويجها بين الناس إنما هو الشماتة بصاحبها والوقيعة فيه . عياذاً بالله من هذا .
الثالث : الفضول .
وهذا حال اغلب المروّجين للإشاعة فإن أصغاء السامعين لحديثه وأشخاصهم بإبصارهم إليه وتشوقهم لسماع كل ما يقول دافع من أعظم الدوافع لنقل الإشاعة هذا إن سلم – ولا يكاد إلا من رحم الله – من التزويد في الكلام بغية تشويقهم وتعلقهم بما يقول .
الرابع : " قطع أوقات المجالس بذكرها "
فمن المعلوم المشاهد أن كل من الحاضرين أو أغلبهم في المجلس يريد أن يدلي للمشاركة في الكلام والنقاش – ولو كان عقيماً – ويرى السكوت نقصاً في حقه فتراه يذكر هذه الإشاعة بقصد المشاركة في الحديث بغض النظر عن ما يترتب عليه نقله ذاك
الخامس: جس النبض:
كأن تقوم دائرة أو مؤسسة أيا كانت ببث أشاعه بهدف جس نبض الجمهور في حالة طرح نظام جديد .
الشائعات ودور التكتيم الرسمي:
يس يخفى على احد ما للشائعات الكاذبة من دور سيىء هادم يجر وراءه في غالب الاحيان، اثارا تقود الفرد والمجتمع الى كثير من المشكلات والمآسي، بل قد تقودهما الى الويل والثبور. هذا عندما يتعلق الامر بالشائعات المألوفة التي تتناول هذا الفرد او ذاك او المجتمع الفلاني او الجماعة الكذائية، فكيف حين ترتبط القضية بشائعات من شأنها ان تزعزع شعور المواطن بالامن والامان في وطنه؟ ام كيف تكون المسألة عندما تتكفل بعض الشائعات بتشويه صورة الوطن بأكمله في انظار الناس الذين لم يقاربوا حقائقه من كثب؟ وغني عن البيان ان مثل هذه الشائعات لا يخلو منها زمان من الازمنة، لكن هذه الحقيقة لا تجعلنا في مندوحة عن مقاربة الظاهرة وتناولها من منطلق الحرص على المصلحة الوطنية العامة التي ليس يسوغ التغافل عنها في حال من الاحوال.
قد يحلو لبعضنا هنا ان ينبري واعظ يحدث الناس عن اضرار الشائعات وسلبياتها وما تنتجه من آثار وخيمة ويدعوهم الى التخلي عنها، وهذا شيء مطلوب لكنه ليس كل شيء بل ليس اول شيء. ان اول السبل الى معالجة ظاهرة ما هو محاولة الوقوف على اسبابها الحقيقية كيما تكون المعالجة بعدئذ دقيقة وناجعة لا تكتفي بتناول الامور من عل دونما استبطان لما عساه يكون كامنا في الاغوار من خبايا واسرار. واذا كان المقام الراهن في هذه العجالة، ليس مقام استقصاء واسهاب في تتبع اسباب الظاهرة موضع الحديث، فان هذا لا يعفينا من ان نحاول وضع ايدينا على اهم تلكم الاسباب واخطرها في ما يمكن ان نزعمه، وهو الدور الذي تقوم به اجهزة الدولة ذاتها، من حيث لا تشعر غالبا، من خلال التعتيم على الحقائق والحجر على المعلومات التي يهتم المراقبون عامة والمواطنون خاصة بالاطلاع عليها. ان هذا التكتم لا يؤدي بطبيعة الحال الى الغاء الرغبة في الاطلاع كما لربما ترغب الدولة، لكنه يقود بدلا من ذلك الى اشباع هذه الرغبة من خلال الاعتماد على ما تتناقله الالسن من شائعات، بل قد يقود اساسا الى اختراع هذه الشائعات بحثا عن اجابات عن علامات الاستفهام الكثيرة الملحة.
بديهي ان الحديث هنا ليس عن التكتم على المعلومات التي من شأن ذيوعها الاضرار بأمن الدولة واستقرارها الداخلي، فهذا النوع من المعلومات لا يطالب عاقل بنشره، لكن المسألة هنا هي ابقاء الاطار المحدد للنوع ضمن النطاق المعقول، فليس من المقبول، بله المعقول، ان تدرج كل الحقائق والارقام والمعلومات ضمن نطاق هذا النوع الذي يجب عدم نشره، ولئن كان ثمة مجال للاختلاف في نوعية بعض الحقائق وما اذا كانت مما يجب التكتم عليه ام لا، فان هناك من الحقائق ما لا يقبل عاقل ان تكون المصلحة الوطنية داعية الى سترها، اللهم اذا كانت (المصلحة الوطنية) قناعا لمصالح من نوع آخر معروف.
المطلوب في كل عصر، لا سيما في عصرنا عصر الانترنت والمحطات الفضائية، ان تبذل الدولة وسعها في اشباع رغبة الناس في المعرفة ضمن الحدود المنطقية الممكنة، فبهذا تغلق بابا عظيما من ابواب الشائعات الضارة. اما اذا ظل الناس لا يعرفون ابسط الحقائق عن امور هي في غاية الاهمية بالنسبة اليهم كالتعليم والصحة والعمل والجرائم لا سيما السرقات الكبيرة والصغيرة، فعندئذ لن يكون ثمة سبيل حقيقي الى ايقاف سيل الشائعات، وهل ينبغي ان يكون؟
من أسباب رواج الإشاعة
يتناقل كثير من الناس المقالة التي تقول – كل غريب مرغوب – وهذه وإن لم تكن على إطلاقها لكن تنطبق على أمر الإشاعة في أغلب أحوالها بحكم غرابة خبر الإشاعة . وعلى كل حال فلرواج الإشاعة أسباب عديدة منها :
- حب الفضول والدافع الغريزي من المستمعين .
- الشعور بالنشوة من ناقل الإشاعة عندما يرى إصغاء السامعين له وإشخاص أبصارهم إليه والتلهف والتشوق لكل كلمة يقولها .
- عدم تصوّر النتائج من الناقل والمنقول له في حالة بطلان الإشاعة .
- ضعف الوازع عند نقل الإشاعة .
- عدم محاسبة النفس وتفقدها .
وتتولد الإشاعة عادة من خلال احدى ثلاث حالات:
1 من ايجاد خبر لا أساس له من الصحة.
2 من تلفيق خبر لجزء منه نصيب من الصحة.
3 من المبالغة الجسيمة في نقل خبر ينطوي على بعض العناصر الصحيحة.
يجب على ناقل الإشاعة:
فيلزمه أمور منها :
أولاً : أن يتقي الله تعالى في نفسه ويراقبه في كل ما يقول ويفعل .
ثانياً : أن يتذكر أنه محاسب على كل كلمة يقولها . . قال تعالى : { وإن عليكم لحافظين ..}.
وقال : { وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .
وقال صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء – كذباً أو إثماً – أن يحدث بكل ما سمع " .
ثالثاً : أن يكون قصده سليماً لا لوث فيه كان يستغل ذكر الإشاعة للتنفيس عن نفسه مما يجد في صدره عن المنقول عنه فليحذر المسلم من هذا المسلك المشين : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } . { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } .
وعلى هذا فلزماً على المسلم أن يصلح قبله وقالبه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ومتى ما علم الله ذلك منه فسيرى ويلقى من الله ما يحب ويرضى .
{ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم } .
رابعاً : أن يتروى ويتثبت في كل ما يقول وأن يحذر من التزيّد في الكلام وأن لا ينقل إلا ما كان متأكداً من سماعه أو رؤيته حتى تبرأ ذمته . وإليك هذا المثال الذي يبين لك كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم _ وهم أتقى الناس . بعد الأنبياء والرسل – يتحرون ويتثبتون في نقل الأخبار وهم من هم في العدالة والصدق . والأمانة عن أبي شريح رضي الله تعالى عنه أنه قال لعمر بن سعيد – وهو يبعث البعوث إلى مكة – ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناني حين تكلم به . . . الخ .
هذا هو الشاهد من الحديث تثبت ما بعده تثبت وتوثّق ما عبده توثّق .
خامساً : أن يكون مقصده من نقل الإشاعة التأكد من صحتها إلى المنقول عنه :
فعليه أن يبين هذا لمن يستمع إليه حتى يستنير بأرائهم حول هذا الخبر .
سادساً : على ناقل الإشاعة أن يفرّق بين المجالس التي يرتادها أو الجليس الذي قد يجالسه وقت حدث الإشاعة .
فما كل مجلس يصلح .
بل إن بعض المجالس قد تزيد بل تزيد في ترويج الإشاعة وعلى أوجه مختلفة . فيتسع الخرق على الراقع .
وهذه المجالس هي التي يحضرها الغوغاء من الناس .
وأولئك مضرتهم راجحة على منفعتهم إن صح أن عندهم نفعاً في مجالسهم تلك .
وأسوق هنا دليلاً واحداً يبين لنا كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون المقام الملائم لكل كلام .
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أراد أن يقوم مقاماً للناس يتكلم فيه عن خبر بلغه يطعن في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه – حيث تمت له البيعة في عجلة من الأمر – فلما هم عمر بالقيام ذلك اليوم قال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كلّ مطيِّر وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فامهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متكناً فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : أما والله – إن شاء الله – لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة . . . "
فتدبر أخي رعاك الله هذا الكلام واجعله نصب عينيك ثم انظر كيف أشار عبد الرحمن على عمر رضي الله تعالى عنهما بتأخير الكلام عن تلك القضية مع بالغ أهميتها وحساسيتها . درءاً للمفسدة التي يتوقع حدوثها .
وما كان من عمر _ وهو من هو – إلا أن يأخذ بهذا الرأي السديد الرشيد فأخَّر كلامه حتى قدم المدينة على صاحبها أتم الصلاة والتسليم .
فرضي الله عن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم فلنعم المعلم هو ولنعم المتعلمون هم .
سابعاً : على ناقل الإشاعة أن يحث المنقول لهم على التثبت والتروي والتأكد في نقلهم عنه لأنه المصدر الأصلي لهم وكل كلام يخرج منهم فمحسوب عليه ومنسوب له .
قال عمر رضي الله تعالى عنه عندما إن أراد أن يقول مقالة له – وقد سبق ذكرها – قال رضي الله تعالى عنه :
" أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدِّر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ " .
والشاهد الذي نريده هو قوله : ومن خشي أن لا يعقلها . . . الخ .
لأن الإشاعة ليست كسائر الأخبار فلا تنقل إلا بعد التثبت ومن ثمَّ لا يخبر بها كل أحد كما سبق بيانه بخلاف العلم المتعلّق بالأمة كلها قال ابن حجر رحمه الله تعالى : ( وفيه الحث على تبليغ العلم ممن حفظه وفهمه وحث من لا يفهم على عدم التبليغ إلا إن كان يورده بلفظه ولا يتصرف فيه ) .
ثامناً : أن يسارع أولاً في استشارة أهل العلم والفضل في أمر هذه الإشاعة وعليه أن يأخذ بمشورتهم فإنهم أدرى بالمصلحة بحكم علمهم وتجربتهم . بل قد بين الله تعالى في محكم التنزيل أن هذا المسلك – أعني مسلك الرد إلى أهل العلم – هو المسلك السليم في مثل هذا .
قال تعالى : { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً } .
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى : ( هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك وإن رأوا ما فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه .
ولهذا قال ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة .
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولي من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب للصواب وأحرى للسلامة من الخطأ . وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها . والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه ، هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا ؟ فيحجم عنه .
انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو في غاية التحقيق والدقة .
أما المنقول له
أي اللذي وصلته الإشاعة
أولاً : عليه أن يُذَكِّر الناقل بالله تعالى وأنه محاسب ومؤاخذ على كل كلمة يلفظ بها .
ثانياً : وعليه أيضاً أن يحثه على التروي وعدم العجلة في نقله .
ثالثاً : عليه أيضاً أن لا يبادر بتصديق الإشاعة فوراً خاصة إذا لم تكن الأدلة والقرائن قائمة أكمل قيام وأتمه .
رابعاً : إذا كانت الإشاعة عن شخص موسوم بالخير فينبغي أن يحمل على المحمل الحسن ويلتمس له العذر في ذلك إذا كان للعذر مبرر شرعي صحيح .
فإن لم يكن له مبرر في ما نسب إليه فعلى المنقول له أن يذكر الناقل بأن الواجب في هذه الحالة النصح والتوجيه حتى يستقيم الخلل الذي سبب وجود الإشاعة .
أما المنقول عنه:
لا يخلوا من نسبت إليه الإشاعة في الجملة من أمرين اثنين .
إّما أن يكون معلوماً أو مجهولاً .
فإن كان معلوماً فإما أن يكون من المشهود لهم بالخير والاستقامة وخاصة العلماء أو من عامة المسلمين فإن كانت الإشاعة منسوبة إلى القسم الأول أي المشهود لهم بالخير فعلى الإنسان أن يتق الله ويمسك لسانه عن الخوض في أعراضهم خاصة العلماء المشهود لهم بالخير وحسن المعتقد .
وإن كان من نسبت إليه الإشاعة غير موسوم بالخير فليحذر الناقل أن يتزيد عليه حتى لو كان عدواً له فإن هذا من الظلم والكذب { ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى : ( ولا يجرمنكم – أي لا يحملكم – شنآن قوم – أي بغضهم – على أن لا تعدلوا – كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط بل كما تشهدون لوليكم فاشهدوا عليه كما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له فلو كان كافراً أو مبتدعاً . فإنه يجب العدل فيه وقبول ما يأتي به من الحق لا لأنه قله ولا يرد الحق لأجل قوله فإن هذا ظلم للحق . اعدلوا هو أقرب للتقوى : أي كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم فإن تم العدل كملت التقوى .
أما إن كان الشخص مجهولاً فالحق أن يلحق بالذي قبله ولا يجوِّز ناقل الإشاعة لنفسه التقول عليه بدون تثبت محكم جهالته . فالجهالة لا تشفع للقول بلا علم وأيضاً فقد يبلغ الخبر ذاك المجهول فيحمل على من تكلم فيه بغير حقٍ .
كيف نوقف الإشاعات!!!!
هذا العنوان فيه إجمال فلمعترض أن يقول وهل كل إشاعة تدحض وتدفن ؟ فالإشاعات كثيرة ومتنوعة .
وجواب هذا الاعتراض أن يقال :
ما قويت شواهده وكثرت قرائنه وتواطؤ الرواة عليه فهذا قد خرج من حيز الإشاعة إلى حيز الحقيقة وهي من باب : ( أني أرى رؤياكم قد تواطئت فتحروها . . )
فمثل هذا الخبر الذي كثرت مخارجه واحتفت به القرائن وكثرت شواهده في حالة عدم قبوله والاعتراض عليه مغالطة للحقيقة وهروب من الواقع لأن الشك فيه في أوّل الأمر والتردد في قبوله قد ارتفع وزال بقوة الأدلة المصاحبة للخبر .
لكن يبقى هنا مسألة وهي معالجة انتشار الخبر والمحاولة من تقليص دائرته وحمل صاحبه على المحمل الحسن إن كان أهلاً لذلك مع الدعاء له .
أما إن كان المشاعُ عنه غير أهل للمحمل الحسن وكان في بيان أمره وكشف ستره مصلحة راجحة ففي هذه الحال لا حرج في انتشار الخبر بل هو الأولى والأجدر شريطة عدم التزيّد فيه أو التصرف فيه سياقه تصرفاً يخل بالمعنى الأصل بغية تضخيم القضية فوق حقيقتها .
وعوداً على ذي بدء فإن لدفن الإشاعة وإمامتها طرقاً كثيرة منها :
1- تذكير الناقل بالله تعالى وتحذيره من مغبة القول بلا علم .
2- تذكير الناقل بالعاقبة المتحصلة إذا كانت الإشاعة كذباً أو مبالغاً فيها .
{ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .
3- عدم التعجل في تقبل الإشاعة دون استفهام أو اعتراض .
4- عدم ترديد الإشاعة لأن في ترديدها زيادة انتشار لها مع إضفاء بعض بل كثير من الكذب عليها وكما قيل في المثل الروسي :(الكذبة كرة ثلجية تكبر كلما دحرجتها).
5- " اقتفاء خط سير الإشاعة وتتبع مسارها للوصول إلى جذورها ووضع اليد على مطلقيها ومحاسبتهم بحزم " .*
6- عدم المبالاة أو إظهار التعجب والاهتمام عند سماعها من أطراف أخرى والتشكيك في صحتها . فهذا بحد ذاته يخفف فورة ناقلي الإشاعة ويجعلهم يراجعون أنفسهم قبل بث تلك الشائعة .
إن في الإعراض عن الإشاعة وعدم الاكتراث بها سبب رئيسي في إخماد الإشاعة .
قال الإمام مسلم صاحب الصحيح رحمه الله تعالى :
( . . إذْ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله وأجدر أن لا
يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه ) .
7- أن يحاول أن يرد على الإشاعة في الصحف وما شاكلها إذا كانت الإشاعة ناشئة من الصحف أو أنها بلغت بين الناس مبلغاً عظيماً . فإن في بيان بطلان الإشاعة أمام أكثر عدد من الناس ، أسرع وسيلة للقضاء عليها وإخماد ذكرها . وإن لم يخمد ذكرها بالكلية فعلى الأقل إزالة القناعة التامة بها من أذهان الناس
الختام
هذا الحديث أخص به الناس الذين خرجت عاطفتهم وحماسهم عن الحد الشرعي فأعانوا بحسن نية على زيادة الجراح والتفرق في الأمة، ان الشائعات والاخبار المكذوبة تلك الآفة التي تسري في الناس فتقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، وتجعل الميت حياً وتنقل الحي الى عالم الاموات، فكم من خبر كاذب شاع بين الناس ولاكته السنتهم ومصدره أفاك اثيم أو صحيفة سيارة او اذاعة مضللة او غير ذلك من الجهات القائمة على البهتان والافتراء والسخرية بعقول الاخرين وما أكثر الناس الذين يروون اخباراً فإذا سألتهم من اين لكم هذه الاخبار وعمن رويتموها؟؟ اسقط في ايديهم او تلعثمت السنتهم وتباطأت كلماتهم ولم يتفوهوا بجواب مقنع حتى لأنفسهم لأنهم في الحقيقة لم يأخذوا من مصادر دقيقة، بل مجرد اوهام تجمعت من هنا وهناك,, ان نقل الاخبار وتبليغها فن دقيق لا يحسن الخوض في غماره الا قلة من الناس اذ يحتاج الى فطنة وتيقظ ثم الى تثبت وحفظ ثم الى امانة.
ان الشائعات بمعناها الاصطلاحي: عبارة عن اقوال او اخبار او احاديث يختلقها البعض لأغراض خبيثة ويتناقلها الناس بحسن نية دون التثبت من صحتها او التحقق من صدقها.
والصلاة والسلام على رسول الله
واللهم تقبل عملنا..
أخوكم الكاسر
حقوق النشر محفوظة لشبكة الهلال والإقلاع
فهذا جهد بسيط قمت به وهو بعمل بحيث صغينون عن قضية تؤرق الدول والأفراد..
الإشاعة في اللغة :
قال في اللسان تحت مادة "شيع" :
" شيعت فلاناً اتبعتُهُ . وشايعه : تابعه وقوَّاه . ويقال : شاعات الخير : أي لا فارقك . ومنه تشييع النار بإلقاء الحطب عليها . وشيعه : خرج معه عند رحيله ليودعه .
وتشيَّعَ في المشيء : استهلك في هواه . والشيوع : ما أوقد به النار . يقال شيع الرجل بالنار: أحرقه . والمشيع : العجول . والشَّياع : صوت قصبة الراعي وشبابته .
وأشاع بالإبل وشايع بها وشايعها مشايعة : أهاب بمعنى صاح ودعا .
وشاع الشيب : انتشر . وشاع الخبر : ذاع . وأشاع ذكر الشيء : أطاره . أشعث المال : فرقته .
والشاعة : الأخبار المنتشرة . ورجل مشياع : أي مذياع لا يكتم سرّاً . وشاع الصدع في الزجاجة : استطار " اهـ .
وقال الراغب الأصفهاني في المفردات : شيع : الشياع : الانتشار والتقوية . يقال : شاع الخبر أي كثر وقوي . وشاع القوم : انتشروا وكثروا . وشيعت النار بالحطب : قويتها . والشيعة : من يتقوى بهم الإنسان وينتشرون عنه ، ومنه قيل للشجاع مشيع . يقال : شيعة وشيع وأشياع . قال تعالى : { وإن من شيعته لإبراهيم } . { هذا من شيعته وهذا من عدوه}. { وجعل أهلها شيعاً } . { في شيع الأولين } . { ولقد أهلكنا أشياعكم } .
وفي معجم مقاييس اللغة نلاحظ أن المادة " شع " أيضاً تأتي بمعنى قريب من معنى مادة شيع فهي بمعنى : تفرق وانتشر ومن ذلك شعاع الشمس . والشعاع – بالفتح – الدم المتفرق .
والمعنى المشترك البارز بين هذه المعاني اللغوية لمادة شيع هو الانتشار والتكاثر .
الإشاعة في الاصطلاح :
لها عدة تعريفات :
قيل ( كل قضية أو عبارة مقدمة للتصديق تتناقل من شخص إلى شخص دون أن تكون لها معايير أكيدة للصدق ) .
وقيل ( هي اصطلاح يطلق على رأي موضوعي معين كي يؤمن به من يسمعه وهي تنتقل عادة من شخص إلى آخر عن طريق الكلمة الشفهية دون أن يتطلب ذلك مستوى من البرهان أو الدليل ) ومن التعاريف أيضاً أنها :
( بث خبر من مصدر ما في ظرف معين ولهدف ما يبغيه المصدر دون علم الآخرين وانتشار هذا الخبر بين أفراد مجموعة معينة ) .
أو هي : ( الأحاديث والأقوال والأخبار التي يتناقلها الناس والقصص التي يروونها دون التثبت من صحتها أو التحقق من صدقها ) .
ومن التعاريف للإشاعة أيضاً :
أنها ( أخبار مشكوك في صحتها ويتعذر التحقق من أصلها وتتعلق بموضوعات لها أهمية لدى الموجهة إليهم ويؤدي تصديقهم أو نشرهم لها إلى إضعاف روحهم المعنوية ) .
أو هي :
( النبأ الهادف الذي يكون مصدره مجهولاً وهي سريعة الانتشار ذات طابع استفزازي أو هادئ حسب طبيعة ذلك النبأ ) .
وكما يلاحظ فإن هناك رابطاً بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ، وعاملاً مشتركاً هو الانتشار والتزايد .
مصادر الإشاعات:
منشأ الإشاعة وأساسها غالباً ما يكون :
خبر من شخص .
أو خبر من جريدة .
أو خبر من مجلة .
أو خبر من إذاعة .
أو خبر من تلفاز .
أو خبر من رسالة خطية .
أو خبر من شريط مسجل .
أو خبر في منتدى.
أو خبر في موقع انترنتي.
أو عن طريق الإيملات.
فهذه الوسائل هي طرق تناقل الأخبار بين الناس وانتشارها بينهم .
ولذا على ناقل الخبر أن يتروى ويتثبت في كل ما يقال وليحذر أن يبادر بالتصديق الفوري فإن الأصل البراءة التامة وتلك الإشاعة ناشئة طارئة والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى تقوم الأدلة الواضحة على ذلك .
أنواع الإشاعات:
تختلف الإشاعة حسب اختلاف الشخص المنقول عنه أو الأشخاص المنقول عنهم .
فتارة تكون الإشاعة مدحاً وتارة تكون ذماً وتارة تكون خليطاً بين النوعين . وتارة تكون غريبة أي في سياق وقائعها حتى تكون في عداد المستحيلات لكن تلقف الناس وتناقله لها جعل المستحيل أمراً ممكن الوقوع .
مرد الإشاعة "المشاع عنه" .
كثرة الإشاعات وتنوعها تدل على تنوع المشاع عنهم .
فتارة يكون الشيء المشاع عنه :
شخصاً موسوماً بالخير والصلاح أو شخصاً على العكس من ذلك . أو حدث غريب وهو أنواع كثيرة وبعض الأحداث شديدة الغرابة إلى حد كبير وضابطها : أمر يستحيل وقوعه أو يكاد يكون مستحيلاً .
أو قد تكون لزعزعة أمن دوله.
أو تكون من بعض الجهات لجس نبض الشارع
ما مقاصد ترويج الإشاعه:
مروّج الإشاعة لا يخلو مراده من مقاصد عدة .
الأول : النصح :
بمعنى أن ترديده لتلك الإشاعة في مجلسه أو مجالسه إنما هو بدافع الحرص على نصح ذلك المشاع عنه .
ولست بصدد بيان صحة هذا الأسلوب من خطأه . إنما الشاهد أن هذه طريقة بعض الناس في ترويج الإشاعة بدعوى النصح للمشاع عنه كما يزعم .
الثاني : الشماتة :
وذلك بأن يكون الدافع والمحرك لنشر الإشاعة وترويجها بين الناس إنما هو الشماتة بصاحبها والوقيعة فيه . عياذاً بالله من هذا .
الثالث : الفضول .
وهذا حال اغلب المروّجين للإشاعة فإن أصغاء السامعين لحديثه وأشخاصهم بإبصارهم إليه وتشوقهم لسماع كل ما يقول دافع من أعظم الدوافع لنقل الإشاعة هذا إن سلم – ولا يكاد إلا من رحم الله – من التزويد في الكلام بغية تشويقهم وتعلقهم بما يقول .
الرابع : " قطع أوقات المجالس بذكرها "
فمن المعلوم المشاهد أن كل من الحاضرين أو أغلبهم في المجلس يريد أن يدلي للمشاركة في الكلام والنقاش – ولو كان عقيماً – ويرى السكوت نقصاً في حقه فتراه يذكر هذه الإشاعة بقصد المشاركة في الحديث بغض النظر عن ما يترتب عليه نقله ذاك
الخامس: جس النبض:
كأن تقوم دائرة أو مؤسسة أيا كانت ببث أشاعه بهدف جس نبض الجمهور في حالة طرح نظام جديد .
الشائعات ودور التكتيم الرسمي:
يس يخفى على احد ما للشائعات الكاذبة من دور سيىء هادم يجر وراءه في غالب الاحيان، اثارا تقود الفرد والمجتمع الى كثير من المشكلات والمآسي، بل قد تقودهما الى الويل والثبور. هذا عندما يتعلق الامر بالشائعات المألوفة التي تتناول هذا الفرد او ذاك او المجتمع الفلاني او الجماعة الكذائية، فكيف حين ترتبط القضية بشائعات من شأنها ان تزعزع شعور المواطن بالامن والامان في وطنه؟ ام كيف تكون المسألة عندما تتكفل بعض الشائعات بتشويه صورة الوطن بأكمله في انظار الناس الذين لم يقاربوا حقائقه من كثب؟ وغني عن البيان ان مثل هذه الشائعات لا يخلو منها زمان من الازمنة، لكن هذه الحقيقة لا تجعلنا في مندوحة عن مقاربة الظاهرة وتناولها من منطلق الحرص على المصلحة الوطنية العامة التي ليس يسوغ التغافل عنها في حال من الاحوال.
قد يحلو لبعضنا هنا ان ينبري واعظ يحدث الناس عن اضرار الشائعات وسلبياتها وما تنتجه من آثار وخيمة ويدعوهم الى التخلي عنها، وهذا شيء مطلوب لكنه ليس كل شيء بل ليس اول شيء. ان اول السبل الى معالجة ظاهرة ما هو محاولة الوقوف على اسبابها الحقيقية كيما تكون المعالجة بعدئذ دقيقة وناجعة لا تكتفي بتناول الامور من عل دونما استبطان لما عساه يكون كامنا في الاغوار من خبايا واسرار. واذا كان المقام الراهن في هذه العجالة، ليس مقام استقصاء واسهاب في تتبع اسباب الظاهرة موضع الحديث، فان هذا لا يعفينا من ان نحاول وضع ايدينا على اهم تلكم الاسباب واخطرها في ما يمكن ان نزعمه، وهو الدور الذي تقوم به اجهزة الدولة ذاتها، من حيث لا تشعر غالبا، من خلال التعتيم على الحقائق والحجر على المعلومات التي يهتم المراقبون عامة والمواطنون خاصة بالاطلاع عليها. ان هذا التكتم لا يؤدي بطبيعة الحال الى الغاء الرغبة في الاطلاع كما لربما ترغب الدولة، لكنه يقود بدلا من ذلك الى اشباع هذه الرغبة من خلال الاعتماد على ما تتناقله الالسن من شائعات، بل قد يقود اساسا الى اختراع هذه الشائعات بحثا عن اجابات عن علامات الاستفهام الكثيرة الملحة.
بديهي ان الحديث هنا ليس عن التكتم على المعلومات التي من شأن ذيوعها الاضرار بأمن الدولة واستقرارها الداخلي، فهذا النوع من المعلومات لا يطالب عاقل بنشره، لكن المسألة هنا هي ابقاء الاطار المحدد للنوع ضمن النطاق المعقول، فليس من المقبول، بله المعقول، ان تدرج كل الحقائق والارقام والمعلومات ضمن نطاق هذا النوع الذي يجب عدم نشره، ولئن كان ثمة مجال للاختلاف في نوعية بعض الحقائق وما اذا كانت مما يجب التكتم عليه ام لا، فان هناك من الحقائق ما لا يقبل عاقل ان تكون المصلحة الوطنية داعية الى سترها، اللهم اذا كانت (المصلحة الوطنية) قناعا لمصالح من نوع آخر معروف.
المطلوب في كل عصر، لا سيما في عصرنا عصر الانترنت والمحطات الفضائية، ان تبذل الدولة وسعها في اشباع رغبة الناس في المعرفة ضمن الحدود المنطقية الممكنة، فبهذا تغلق بابا عظيما من ابواب الشائعات الضارة. اما اذا ظل الناس لا يعرفون ابسط الحقائق عن امور هي في غاية الاهمية بالنسبة اليهم كالتعليم والصحة والعمل والجرائم لا سيما السرقات الكبيرة والصغيرة، فعندئذ لن يكون ثمة سبيل حقيقي الى ايقاف سيل الشائعات، وهل ينبغي ان يكون؟
من أسباب رواج الإشاعة
يتناقل كثير من الناس المقالة التي تقول – كل غريب مرغوب – وهذه وإن لم تكن على إطلاقها لكن تنطبق على أمر الإشاعة في أغلب أحوالها بحكم غرابة خبر الإشاعة . وعلى كل حال فلرواج الإشاعة أسباب عديدة منها :
- حب الفضول والدافع الغريزي من المستمعين .
- الشعور بالنشوة من ناقل الإشاعة عندما يرى إصغاء السامعين له وإشخاص أبصارهم إليه والتلهف والتشوق لكل كلمة يقولها .
- عدم تصوّر النتائج من الناقل والمنقول له في حالة بطلان الإشاعة .
- ضعف الوازع عند نقل الإشاعة .
- عدم محاسبة النفس وتفقدها .
وتتولد الإشاعة عادة من خلال احدى ثلاث حالات:
1 من ايجاد خبر لا أساس له من الصحة.
2 من تلفيق خبر لجزء منه نصيب من الصحة.
3 من المبالغة الجسيمة في نقل خبر ينطوي على بعض العناصر الصحيحة.
يجب على ناقل الإشاعة:
فيلزمه أمور منها :
أولاً : أن يتقي الله تعالى في نفسه ويراقبه في كل ما يقول ويفعل .
ثانياً : أن يتذكر أنه محاسب على كل كلمة يقولها . . قال تعالى : { وإن عليكم لحافظين ..}.
وقال : { وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .
وقال صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء – كذباً أو إثماً – أن يحدث بكل ما سمع " .
ثالثاً : أن يكون قصده سليماً لا لوث فيه كان يستغل ذكر الإشاعة للتنفيس عن نفسه مما يجد في صدره عن المنقول عنه فليحذر المسلم من هذا المسلك المشين : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } . { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } .
وعلى هذا فلزماً على المسلم أن يصلح قبله وقالبه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ومتى ما علم الله ذلك منه فسيرى ويلقى من الله ما يحب ويرضى .
{ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم } .
رابعاً : أن يتروى ويتثبت في كل ما يقول وأن يحذر من التزيّد في الكلام وأن لا ينقل إلا ما كان متأكداً من سماعه أو رؤيته حتى تبرأ ذمته . وإليك هذا المثال الذي يبين لك كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم _ وهم أتقى الناس . بعد الأنبياء والرسل – يتحرون ويتثبتون في نقل الأخبار وهم من هم في العدالة والصدق . والأمانة عن أبي شريح رضي الله تعالى عنه أنه قال لعمر بن سعيد – وهو يبعث البعوث إلى مكة – ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناني حين تكلم به . . . الخ .
هذا هو الشاهد من الحديث تثبت ما بعده تثبت وتوثّق ما عبده توثّق .
خامساً : أن يكون مقصده من نقل الإشاعة التأكد من صحتها إلى المنقول عنه :
فعليه أن يبين هذا لمن يستمع إليه حتى يستنير بأرائهم حول هذا الخبر .
سادساً : على ناقل الإشاعة أن يفرّق بين المجالس التي يرتادها أو الجليس الذي قد يجالسه وقت حدث الإشاعة .
فما كل مجلس يصلح .
بل إن بعض المجالس قد تزيد بل تزيد في ترويج الإشاعة وعلى أوجه مختلفة . فيتسع الخرق على الراقع .
وهذه المجالس هي التي يحضرها الغوغاء من الناس .
وأولئك مضرتهم راجحة على منفعتهم إن صح أن عندهم نفعاً في مجالسهم تلك .
وأسوق هنا دليلاً واحداً يبين لنا كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون المقام الملائم لكل كلام .
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أراد أن يقوم مقاماً للناس يتكلم فيه عن خبر بلغه يطعن في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه – حيث تمت له البيعة في عجلة من الأمر – فلما هم عمر بالقيام ذلك اليوم قال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كلّ مطيِّر وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فامهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متكناً فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها . فقال عمر : أما والله – إن شاء الله – لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة . . . "
فتدبر أخي رعاك الله هذا الكلام واجعله نصب عينيك ثم انظر كيف أشار عبد الرحمن على عمر رضي الله تعالى عنهما بتأخير الكلام عن تلك القضية مع بالغ أهميتها وحساسيتها . درءاً للمفسدة التي يتوقع حدوثها .
وما كان من عمر _ وهو من هو – إلا أن يأخذ بهذا الرأي السديد الرشيد فأخَّر كلامه حتى قدم المدينة على صاحبها أتم الصلاة والتسليم .
فرضي الله عن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم فلنعم المعلم هو ولنعم المتعلمون هم .
سابعاً : على ناقل الإشاعة أن يحث المنقول لهم على التثبت والتروي والتأكد في نقلهم عنه لأنه المصدر الأصلي لهم وكل كلام يخرج منهم فمحسوب عليه ومنسوب له .
قال عمر رضي الله تعالى عنه عندما إن أراد أن يقول مقالة له – وقد سبق ذكرها – قال رضي الله تعالى عنه :
" أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدِّر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ " .
والشاهد الذي نريده هو قوله : ومن خشي أن لا يعقلها . . . الخ .
لأن الإشاعة ليست كسائر الأخبار فلا تنقل إلا بعد التثبت ومن ثمَّ لا يخبر بها كل أحد كما سبق بيانه بخلاف العلم المتعلّق بالأمة كلها قال ابن حجر رحمه الله تعالى : ( وفيه الحث على تبليغ العلم ممن حفظه وفهمه وحث من لا يفهم على عدم التبليغ إلا إن كان يورده بلفظه ولا يتصرف فيه ) .
ثامناً : أن يسارع أولاً في استشارة أهل العلم والفضل في أمر هذه الإشاعة وعليه أن يأخذ بمشورتهم فإنهم أدرى بالمصلحة بحكم علمهم وتجربتهم . بل قد بين الله تعالى في محكم التنزيل أن هذا المسلك – أعني مسلك الرد إلى أهل العلم – هو المسلك السليم في مثل هذا .
قال تعالى : { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً } .
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى : ( هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك وإن رأوا ما فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه .
ولهذا قال ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة .
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولي من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب للصواب وأحرى للسلامة من الخطأ . وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها . والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه ، هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا ؟ فيحجم عنه .
انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو في غاية التحقيق والدقة .
أما المنقول له
أي اللذي وصلته الإشاعة
أولاً : عليه أن يُذَكِّر الناقل بالله تعالى وأنه محاسب ومؤاخذ على كل كلمة يلفظ بها .
ثانياً : وعليه أيضاً أن يحثه على التروي وعدم العجلة في نقله .
ثالثاً : عليه أيضاً أن لا يبادر بتصديق الإشاعة فوراً خاصة إذا لم تكن الأدلة والقرائن قائمة أكمل قيام وأتمه .
رابعاً : إذا كانت الإشاعة عن شخص موسوم بالخير فينبغي أن يحمل على المحمل الحسن ويلتمس له العذر في ذلك إذا كان للعذر مبرر شرعي صحيح .
فإن لم يكن له مبرر في ما نسب إليه فعلى المنقول له أن يذكر الناقل بأن الواجب في هذه الحالة النصح والتوجيه حتى يستقيم الخلل الذي سبب وجود الإشاعة .
أما المنقول عنه:
لا يخلوا من نسبت إليه الإشاعة في الجملة من أمرين اثنين .
إّما أن يكون معلوماً أو مجهولاً .
فإن كان معلوماً فإما أن يكون من المشهود لهم بالخير والاستقامة وخاصة العلماء أو من عامة المسلمين فإن كانت الإشاعة منسوبة إلى القسم الأول أي المشهود لهم بالخير فعلى الإنسان أن يتق الله ويمسك لسانه عن الخوض في أعراضهم خاصة العلماء المشهود لهم بالخير وحسن المعتقد .
وإن كان من نسبت إليه الإشاعة غير موسوم بالخير فليحذر الناقل أن يتزيد عليه حتى لو كان عدواً له فإن هذا من الظلم والكذب { ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى : ( ولا يجرمنكم – أي لا يحملكم – شنآن قوم – أي بغضهم – على أن لا تعدلوا – كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط بل كما تشهدون لوليكم فاشهدوا عليه كما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له فلو كان كافراً أو مبتدعاً . فإنه يجب العدل فيه وقبول ما يأتي به من الحق لا لأنه قله ولا يرد الحق لأجل قوله فإن هذا ظلم للحق . اعدلوا هو أقرب للتقوى : أي كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم فإن تم العدل كملت التقوى .
أما إن كان الشخص مجهولاً فالحق أن يلحق بالذي قبله ولا يجوِّز ناقل الإشاعة لنفسه التقول عليه بدون تثبت محكم جهالته . فالجهالة لا تشفع للقول بلا علم وأيضاً فقد يبلغ الخبر ذاك المجهول فيحمل على من تكلم فيه بغير حقٍ .
كيف نوقف الإشاعات!!!!
هذا العنوان فيه إجمال فلمعترض أن يقول وهل كل إشاعة تدحض وتدفن ؟ فالإشاعات كثيرة ومتنوعة .
وجواب هذا الاعتراض أن يقال :
ما قويت شواهده وكثرت قرائنه وتواطؤ الرواة عليه فهذا قد خرج من حيز الإشاعة إلى حيز الحقيقة وهي من باب : ( أني أرى رؤياكم قد تواطئت فتحروها . . )
فمثل هذا الخبر الذي كثرت مخارجه واحتفت به القرائن وكثرت شواهده في حالة عدم قبوله والاعتراض عليه مغالطة للحقيقة وهروب من الواقع لأن الشك فيه في أوّل الأمر والتردد في قبوله قد ارتفع وزال بقوة الأدلة المصاحبة للخبر .
لكن يبقى هنا مسألة وهي معالجة انتشار الخبر والمحاولة من تقليص دائرته وحمل صاحبه على المحمل الحسن إن كان أهلاً لذلك مع الدعاء له .
أما إن كان المشاعُ عنه غير أهل للمحمل الحسن وكان في بيان أمره وكشف ستره مصلحة راجحة ففي هذه الحال لا حرج في انتشار الخبر بل هو الأولى والأجدر شريطة عدم التزيّد فيه أو التصرف فيه سياقه تصرفاً يخل بالمعنى الأصل بغية تضخيم القضية فوق حقيقتها .
وعوداً على ذي بدء فإن لدفن الإشاعة وإمامتها طرقاً كثيرة منها :
1- تذكير الناقل بالله تعالى وتحذيره من مغبة القول بلا علم .
2- تذكير الناقل بالعاقبة المتحصلة إذا كانت الإشاعة كذباً أو مبالغاً فيها .
{ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .
3- عدم التعجل في تقبل الإشاعة دون استفهام أو اعتراض .
4- عدم ترديد الإشاعة لأن في ترديدها زيادة انتشار لها مع إضفاء بعض بل كثير من الكذب عليها وكما قيل في المثل الروسي :(الكذبة كرة ثلجية تكبر كلما دحرجتها).
5- " اقتفاء خط سير الإشاعة وتتبع مسارها للوصول إلى جذورها ووضع اليد على مطلقيها ومحاسبتهم بحزم " .*
6- عدم المبالاة أو إظهار التعجب والاهتمام عند سماعها من أطراف أخرى والتشكيك في صحتها . فهذا بحد ذاته يخفف فورة ناقلي الإشاعة ويجعلهم يراجعون أنفسهم قبل بث تلك الشائعة .
إن في الإعراض عن الإشاعة وعدم الاكتراث بها سبب رئيسي في إخماد الإشاعة .
قال الإمام مسلم صاحب الصحيح رحمه الله تعالى :
( . . إذْ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله وأجدر أن لا
يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه ) .
7- أن يحاول أن يرد على الإشاعة في الصحف وما شاكلها إذا كانت الإشاعة ناشئة من الصحف أو أنها بلغت بين الناس مبلغاً عظيماً . فإن في بيان بطلان الإشاعة أمام أكثر عدد من الناس ، أسرع وسيلة للقضاء عليها وإخماد ذكرها . وإن لم يخمد ذكرها بالكلية فعلى الأقل إزالة القناعة التامة بها من أذهان الناس
الختام
هذا الحديث أخص به الناس الذين خرجت عاطفتهم وحماسهم عن الحد الشرعي فأعانوا بحسن نية على زيادة الجراح والتفرق في الأمة، ان الشائعات والاخبار المكذوبة تلك الآفة التي تسري في الناس فتقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، وتجعل الميت حياً وتنقل الحي الى عالم الاموات، فكم من خبر كاذب شاع بين الناس ولاكته السنتهم ومصدره أفاك اثيم أو صحيفة سيارة او اذاعة مضللة او غير ذلك من الجهات القائمة على البهتان والافتراء والسخرية بعقول الاخرين وما أكثر الناس الذين يروون اخباراً فإذا سألتهم من اين لكم هذه الاخبار وعمن رويتموها؟؟ اسقط في ايديهم او تلعثمت السنتهم وتباطأت كلماتهم ولم يتفوهوا بجواب مقنع حتى لأنفسهم لأنهم في الحقيقة لم يأخذوا من مصادر دقيقة، بل مجرد اوهام تجمعت من هنا وهناك,, ان نقل الاخبار وتبليغها فن دقيق لا يحسن الخوض في غماره الا قلة من الناس اذ يحتاج الى فطنة وتيقظ ثم الى تثبت وحفظ ثم الى امانة.
ان الشائعات بمعناها الاصطلاحي: عبارة عن اقوال او اخبار او احاديث يختلقها البعض لأغراض خبيثة ويتناقلها الناس بحسن نية دون التثبت من صحتها او التحقق من صدقها.
والصلاة والسلام على رسول الله
واللهم تقبل عملنا..
أخوكم الكاسر
حقوق النشر محفوظة لشبكة الهلال والإقلاع