الزعيماوي
28/4/2008, 22:02
المظلَّلون السبعة
ثمةَ فرصٌ عديدة , وعروضٌ مغرية , تلوحُ في أفقِنا , وتدورُ في قالبِنا , لكنَّنا غافلون عنها , وبعيدون عن استغلالِها ؛ إما لجهلٍ أو كسل , أو لعدمِ استشعارٍ بأهمِّيَّتِها , وغيابِ الإحساسِ المفضي للتَّوجُّهِ نحوها.
ولا ريبَ في أنَّ المتتبِّعَ والقارئَ البسيطَ لسنةِ المصطفى ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم ـ , يَرى كمًّا هائلاً مِن الفرصِ الوفيرة , والتسهيلاتِ الكثيرة , التي تساعدُ المرءَ المسلمَ على آداءِ دينِهِ بما يجب , والتقرُّبِ إِلى الرِّب ـ عزوجل ـ بما يَرغب , وبما يعودُ بالخيرِ على مَن فعلَه , وعلى المجتمعِ بأكملِه , إن هُوَ حرصَ على أنْ يثقِّفَ مَن حولَه , ويُوعِّي مَن هم بقربِه.
عندما يتذكرُ الإنسانُ ما سيواجه بعدَ حياتِه الدنيئة , ويُحلِّقُ بخيالِه إلى العالمِ الخافي , حيثُ لا أحدَ يستطيعُ تصوَّرَ ما قد يَحدث ؛ فإنَّه بالتأكيدِ سيعملُ على تأمينِ نفسِه مما قد ستواجهه مِن عذابٍ أليم , وسيحرصُ على العمل الحسن ؛ ليرضيَ به وجهَ الله , ويَسلمَ مِن عقابه , ويفوزُ بمرضاتِه , ويدخلُ جناتِه.
الجميعُ يعلم ما سنواجهه يومَ القيامة , مِن ضيقٍ وخنق , وصعوباتٍ وآلام , حيثُ الحرُّ الشديد , والعرقُ المغطي لكلِّ الأجسام , بقدرِ الذنوبِ والآثام!
ولكنْ , قليلون هم مَن سيسلمونَ مِن كلِّ ذلك , وسينعمونَ برحمةِ اللهِ وفضلِه , ويستظلونَ بظلِّهِ يومَ لا يُفيدُ المرء ما عملَه بدنياه , إلا مَن عملَ صالحًا فخير , ومَن استمرأَ السيئَ فشر!
ولأنَّ فرصَ الإسلامِ عديدةٌ , فقد أهدى ـ هادي البشرية ـ محمدٌ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم ـ إلى أمته , فرصةً ليَنعموا بها بظلِّ الرحمن , في الحديث الذي رواهُ أبو هريرة , حيث قالَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" سبعةٌ يُظلهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه ، إمامٌ عادل وشابٌّ نشأ في عبادةِ الله ، ورجلٌ قلبُه معلقٌ بالمساجد ، ورجلان تحابَّا في اللهِ اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه ، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتِ منصبٍ وجمالٍ فقالَ إنِّي أخافُ الله . ورجلٌ تصدقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تُنفقُ يمينُه ، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضت عيناه " متفقٌ عليه .
وكلُّ ما جاءَ في الحديث , تدخلُ فيه النساءُ كما الرجال , إلا في موضعيْن اثنيْن هما : 1ـ الولايةُ العظمى. 2ـ ملازمةُ المسجد ؛ لأنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتِها أفضل.
إنَّا واللهِ لمحرومون , يومَ أنْ غفلنا عن كلِّ هذا , والتفتنا صوبَ شهواتِنا وما تُمليه نفوسُنا المائلة لما تشتهي!
أليست تلكَ الفرصُ فرصًا يجبُ أن نعضَ عليها بالنواجذ؟.. ونتمسكُ بها كما يتمسَّكُ الغريقُ بالقشة؟.. ونستغلها أفضلَ وأجملَ استغلال؟..
"إمامٌ عادل" ؛ فالإمامُ هو كلُّ مَن تولَّى شيئًا من أمورِ المسلمين , سواءٌ كانت إمامةً عُليا أو حتى أقل , فما أجملَ العدل , وما أسوأَ الظلم ؛ فالعادِلون مُستظلون بظلِّ الرحمن , ذاك جزاؤهم في الآخرة , وفي الدُّنيا لهم أجرهم.
"شابٌّ نشأ في عبادةِ الله" , لا يتبعُ شهواتِه , ولا يُطيع نفسَه الأمارةِ بالسوء , بل هو مُطيعٌ لربِّه , مُتتبعٌ للخير , منذُ نشأته , ولا يَظلمُ نفسَه بتتبعِ دروبِ الشرِّ والآثام , همُّه حفظُ القرآن , وتفكيرُه فَهَمَ السُّنن , وعقلُه مُنشغلٌ بالإيمان ؛ فلله دره مِن إنسان!
"رجلٌ قلبُه معلقٌ بالمساجد" , يرتاحُ بها , ويأنسُ بجلوسِه ببيوتِ الله , ويضيقُ ذرعُه , وتحزنُ نفسُه , حينَ يكونُ بعيدًا عنها ؛ فقد تعلقَ قلبُه بالمساجد , وأضحت سعادتُه بها , بالأحرى , هو عشقها , فما أطيبه مِن عشق , ما أطيبه!
"رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه" , لا يُحبُّ فلانًا لجاهِه , أو يَتقرَّبُ مِن ذاك لمالِه , ولا يفضحُ بعشقِه بسببِ المصالحِ الدنيويةِ أو حتى لجمالِه , بل يُحبُّ هذا ؛ لأنَّه رأى منه مِن الخيرِ ما رأى , ووجدَ أنه سيستفيد منه لا محالة ؛ فالمرءُ يُحشرُ مع مَن أحب , فكنْ يقظًا باختيارِ خليلك أو مَن أحببت!
"رجلٌ دعته امرأةٌ ذاتِ منصبٍ وجمالٍ فقال إنِّي أخافُ الله" , تغلغلَ الإيمانُ وسطَ أحشائه , وشربَ قلبُه كلَّ معاني الإسلامِ وروحانيتِه , لم يأبه بطلبِها , ولم يغره جمالُها , ولم تتحركْ مشاعرُه تُجاهها بسببِ جاهها ؛ فمَن عرف اللهَ وأحبَّه , أحبَّه اللهُ وحماه , فكان سمعَه الذي يَسمعُ به , وبَصَرَه الذي يُبصرُ بها, وعينَه التي يرى بها , ويدَه التي يبطشُ بها , فأينَ نحن مِن قوة إيمان ذاك الخائفِ؟ , فكما قال الشاعر :
وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظلمةٍ ** والنَّفْسُ داعيةٌ إلى الطُّغيانِ
فاستَحِي مِن نظرِ الإلهِ وقلْ لها ** إنَّ الذي خلقَ الظلامَ يَراني
"رجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا تعلمَ شمالُه ما تنفقُ يمينُه" , لم يتصدقْ لأجلِ سمعة , ولم يعطِ رياءً ؛ فكلُّ ما يطلبُه هو رضا اللهِ عليه ؛ فمِن شدَّةِّ حرصِه على حسن نيَّته , لا ترى شماله ما أنفقت يمينه , وذاكُ الإيمانُ الحقُّ والله!
"رجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضت عيناه" , يُناجي ربَّه , يرجو عفوه , ويَشتكي ضعفَه , لم تستطعْ نفسُه كتمَ الدموع ؛ فهو وحده حيثُ لا أحدَ يرائي عندَه ؛ إنما هُوَ الخوفُ والخشيةُ مِن ربِّ الأرضِ والسماوات , والطمعُ بظلِّ ربِّ العرشِ ومُعطي المكرمات , فيا لها مِن دموع , ليست كأيِّ دموع ؛ لأنَّها دموعُ القلب!
إنَّ السؤالَ الذي يجبُ على كلِّ واحدٍ أنْ يَسألَ نفسَه , أينَ نحنُ مِن كلِّ هذا؟ وما هي حصيلتُنا مما ذكره المصطفى؟... فلنزرع العمل , وننتظر الحصاد , العمل .. ما جاءَ ذكرُه .. , الحصاد .. ظلٌّ ممدود ..
ثمةَ سؤال , هل في ما ذُكرَ مشقةٌ أو تعب؟.. أو هلْ فيها ما هو معجزٌ أو مستحيل؟.. وحتى إنْ كانَ فيها شيئًا مِن ذلك ـ رغم العدم ـ ؛ هل نظرنا ما هي المكافأةُ المنتظرة؟.. إنَّها عطيةٌ جزيَّة , وكرمٌ كبير , ينتظر الصابرينَ والعاملين , إنْ كانوا بالظلِّ طامعين!
الحوارُ والإسلام
لا ريبَ أنَّ حدثَ العالمِ اليوم , والكلام الدارج في زمنِنا هذا ؛ هو الحوار , فالجميعُ في العالمِ يتغنَّونَ بأنَّهم مميزون في الحوار , بل ويذهبون إلى ما هو أبعد مِن ذلك , حين يُشيرون إلى أنَّ أحدَ أهمِّ أسبابِ تقدِّمهم ونجاحهم ؛ هو انتشارُ ثقافةِ الحوارِ في كافةِ أطيافِ المجتمع , وإذا ما أردنا أنْ نأخذَ الموضوعَ مِن الجانبِ الذي يخصُّنا في مجتمعِنا , فإنَّنا ـ والحقُّ يُقال ـ ما زلنا بعيدين عن ثقافةِ الحوار بصورتِها الصحيحة , أو حتى بصورتها القريبةِ مِن الصحة.
ويجبُ أنْ نقفَ قليلاً عند مركزِ الملك عبد العزيز للحوارِ الوطني , الذي تمَّ تفعيلُه مِن سنواتٍ بسيطة , ونُشيدَ به ولو لم يكن تنفيذيًَّا بشكلٍ كبير , إلا أنَّ انتشارَ ثقافة الحوار أمرٌ جميلٌ جدًّا.
ويزعمُ البعضُ إلى ادعاءِ أنَّ الدينَ الإسلامي , يقفُ موقفَ المعارضِ تجاه الحوارات , أو ربما لا يحبذها , ويجزم بأمور قطعية لا يُقبلُ النقاشُ فيها.
وهذا الرأي فيه تعدٍّ كبير , وكذبٍ واضح , وزرٍ بائن , وبهتانٍ فاضح ؛ فمَن قرأ القرآنَ الكريم , وتتبع آياتِه , وفهم معانيه , سيعلم أن في القرآنِ نماذجُ كثيرة , وصورٌ عديدة , تبيِّنُ كيف أن الإسلام أعطى الحوارَ حقَّه مِن الأهميةِ بشكلٍ كبير.
فقد ورد في القرآن الكريم , عدةَ نماذج من الحوارات , منها الحوارُ الذي دارَ بينَ إبراهيمَ ـ عليه السلام ـ وبين ربِّه , والحوارُ الذي دارَ بينَ إبراهيمَ أيضًا ـ عليه السلام ـ وأبيه آزر , ووردَ أيضًا في القرآن حوارًا بينَ موسى ـ عليه السلام ـ وفرعون.
أما السنةُ النبويِّة ؛ فقد ضرب نبيُّنا المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أروعَ الأمثلة , وحققَّ كل شروط الحوار , في مواضعَ عدة , ومواقفَ كثيرة , لا يتسع المقامُ لذكرها كلها , لكننا سنعرِّجُ على بعضٍ منها.
فالقصةُ التي ظلت تدورُ في ذهني , ولم تغادرْ مُخيلتي , هي قصةُ ذهابِ الوليد بن المغيرة إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بدايةِ دعوتِه ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وطلب الوليدُ مِن الرسولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ محاورته , وكان له ذلك , فجلسَ يحاورُ النبيَّ وقتًا طويلاً , فكان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ منصتًا له , ولم يُذكرْ أنْ قاطعه , أو تململَ منه , فلمَّا انتهى الوليدُ مِن كلامه , قال له الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : هل انتهيتَ أبا الوليد؟ , فقال الوليد : نعم , فجلس النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأَ القرآن عليه , حتى ذهب الوليدُ إلى قومِه , وكاد أن يُسلمَ , لولا وشايةُ أبي جهل.
لقد كان النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ محاورًا وقدوةً في الحوار أيضًا , وهنا يتبيِّنُ لنا , كيف أنَّ النبيَّ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حققَّ كل َّ شروطِ الحوارِ الصحيح , التي ما فتئ الكثيرون يُذكروننا بها ؛ فالإنصاتُ والاستماعُ بتركيز , وفَهْمُ ما يُريدُ الآخر , وعدمُ الانتقاصِ مِنه , وتركُ الفرصةِ للمحاورِ الآخرِ بالكلام , وعدم مقاطعته , ثم الردُّ ببرهانٍ وهدوء , كلُّها تحققت في هادي البشرية ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
أيضًا في قصةِ الأعرابيِّ الذي زجر الرسولَ ـ صلى الله وعليه وسلم ـ وسحبَ عمامته , وقال له : أعطني مما أعطاك الله يا محمد , فكان النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حليمًا , ولم يرد عليه ما فعله , بل طيب خاطره , وفي ذلك , يتبيِّنُ لنا , كيف أن النبيَّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ كيف كان قدوةً حقيقيةً في الأدبِ والحلم , حتى في أسوأ الظروف وأصعبها.
إنَّ في ذلك , عدةُ عبرٍ للمعتبرين , وفيها ردٌّ على المُرجفين , فقد وضحَ لنا كالشمس , كيف أنَّ محمدًا كان حضاريًّا في وقتٍ لم تظهرْ شعارات الحضارة! , وكان محاورًا في زمنٍ كانت المؤتمراتُ غائبة! , إنه الرسولُ القدوةُ في كلِّ الأزمان ,, والنبيُّ المتبعُ على مرِّ الدهور والأيَّام!
.. وخيرُ جليسٍ .. كتاب!
في أبجديات العُرف , ومن أسهل الأمور المفهومة ؛ هو أن وضع شيء في مكان له أهميته , يُشعر الجميع بأهمية ذلك الشيء الموضوع.
ولأنَّ للكتاب أهميةً كبرى , وفائدةً عظمى ؛ فإنَّ أولَ شيءٍ أمُر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله تعالى (اقرأ) , وفي ذلك , دلالةٌ كبيرة , وبرهانٌ واضح , على أن القراءة تحتلُّ مكانًا كبيرًا في قاموس الإنسان المسلم.
والقراءة ليست حصرًا على الكتبِ العلمية , أو الرواياتِ العالمية , أو المذكراتِ اليومية ؛ بل يوجدُ ما هو أفضلُ مِن كلِّ هذا , وأكثرُ أجرًا مِن كلِّ ما سبق , ذلك , أنَّ القرآنَ الكريم ؛ هو أفضلُ الكتبِ وأفيدها , وأجملها وأكثرها مُتعة , وفي ذلك لا ريب , ولا شكَّ أو ظن , فيكفي أنْ نتمعَّنَ بقولهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قال "اقرأوا القرآن , فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابِه" , لنُدركَ مِن خلاله , كم هو عظيمٌ فضلُ قراءةِ القرآن , وكم هو أعظم , قراءته بتدَّبرٍ وخشوعٍ , وبتمعُّنٍ وتفكُّر.
ولا شكَّ أنَّ قراءةََ الكتبِ ـ أيًّا كان نوعها ـ , تعدُّ مفيدةً بشكلٍ ربَّما يسمح للإنسانِ بأنْ يندمجَ مع الآخر ويفهمه , ولربما زاده الكتابُ ثقافةً , ونمَّا علمه. يقولُ المتنبي عن الكتاب : أعزُّ مكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ ** وخيرُ جليسٍ في الأنامِ كتابُ
بل وصلَ الأمرُ بالجاحظ , إلى أنْ وصفَ الكتابَ بأنَّه أوفى صديق , حينَ أكَّدَ أنَّ الكتابَ لا يُفشي سرَّه , ويكتمَ أمره , حين قال :
أوفى صديقٍ إنْ خلوتُ كتابي ** ألهُو به إنْ خانني أصحابي
لا مُـفـشـيـًا سِـرًّا إذا أودعـتـُهُ ** وأفوزُ منهُ بحكمةٍ وصوابِ
وممَّا يجدرُ ذكرُه , ويحسنُ التذكير به ؛ هو أنَّه في السابق ـ بوجهةِ نظري ـ , كان القرَّاءُ كثيرين , والكتبُ قليلةٌ , وفي هذا الزمن , انقلبتِ الطاولة , وانعكستِ الآية , فأضحتِ الكتبُ كثيرةً , والقراءُ قليلون!
بل تعدَّى الأمرُ حدودَ المنطق , وتجاوزَ أبجديات العُرف ؛ إذ أصبح حملُ الكتبِ ـ لا قراءتها ـ مباهاةً وشكلياتٍ أكثرَ مِن كونِه فائدةً واستمتاعًا وقضاءً للوقتِ بما يُفيد !
وهذا الأمرُ بالذات , انتشرَ كانتشارِ النارِ في الحطبِ الهشيم , وبالأخص , في المعارضِ الدوليةِ التي بدأت بأخذِ مكانًا لها في حياةِ المواطن.
كثيرونَ هم الذين جاؤوا لزيارةِ المعارضِ الدولية , وأخذوا معهم كتبًا ليست بالقليلة , لكنهم , يعترفونَ بأنَّ الكتبَ التي اشتروها في العامِ الماضي ؛ لم يقرؤوها بعد!
إذ أنَّ الأمرَ تحول إلى مباهاةٍ وتقليدٍ ومجاراةٍ , أكثر مِن كونه فائدةً وشغلاً للوقتِ بما يعود بالنفع على صاحبه!
وهذا الأمرُ , يقودنا إلى إسقاطٍ آخر , يُمارسه المجتمعُ بشكلٍ فظ , ذلك , أن التقليدَ ومحاكاةَ الآخر , أمرًا أراهُ ينتقصُ مِن شخصية ذلكَ الشخصِ المقلِّدِ والمحاكي!
فالله ـ جلا و علا ـ خلق النَّاسَ وفرَّق في خُلُقهم , وفي خِلْقَتهم , ولم يساوِ بينهم في الطباعِ , فلكلِّ إنسانٍ شخصيته المستقلة , وحياته الخاصة ؛ فليعشْ كلَّ واحدٍ منَّا بقدرِ ما يُريد هو , بعيدًا عن سياسةِ التقليد والبهرجة !
فالشاعرُ ولد شاعرًا , فلماذا تُشترى القصائد , ويُدعى الإحساسُ غيرِ الصادق , ألأجل أنْ يُقال عنك بأنَّك شاعرٌ , بينما أنت في الحقيقةِ لستَ كذلك , هذا ضحكٌ على النفسِ أولاً , وضحكٌ على الآخرين أيضًا!
والمثَقَّفُ تعلَّم ودرس , وقرأَ واستفاد , حتى وصلَ لأنْ يسمِّيه الناسُ بالمثقف , فلماذا لا تجتهدُ وتقرأ وتتعلم , حتى تُنادى بالمثقف , وتترك استجداءَ الثقافةِ غصبًا , وطلبها بطرقٍ ملتويةٍ وغيرِ سوية ؟
والعالمُ حفظَ القرآن , وقرأَ السنن , وتعلَّم منذُ الصغر , ثم يأتي أحدُنا وبكلِّ غباء , ليُفتي بفتيةٍ شرعيةٍ مِن عنده , ويدَّعي أنَّه يفهم كما يفهمُ هؤلاء , بينما هو في الحقيقةِ لا يتعدَّى كونه متطفلاً على علمٍ هو ربما لا يفهم أبجدياته فكيفَ بمغيَّباته وأسراره ودهاليزه ؟
وهكذا دواليك , في كلِّ سائر علومِ الحياة , فالإنسان يجبُ أنْ يكونَ صادقًا مع نفسِه أولاً , بألا يضحكُ عليها بادعاءِ شيءٍ لا يُجيده , ثم , يكون صادقًا مع الآخرين , بألا يُوهمهم بأنَّه يفهم في ذاك العلم أو هذا , ثمَّ يقعُ وقعةَ الأعمى في الحفرةِ العميقة ؟!
وعودٌ على البدء ؛ فإنَّه مِن الجميلِ حقًّا , أنْ نفتَّشَ عمَّا تحويه مكتباتنا الخاصة , ونقرأَ الكتبَ التي اشتراها بعضُنا ؛ لأجل البهرجةِ والمباهاةِ والمحاكاةِ والتقليد , عياذًا بالله من فعل أشياءَ تنتقصُ من شخصية الفرد , بتصرفاتٍ كتلك , كما يفعلها الناقصونَ أو المستنقصون , كلاهما سيَّان !
رجاء!!
بكَ لا ينقطعُ الأمل .. وبقوَّتِك تذوبُ كلُّ المصاعب .. وبرحمتكَ العبادُ شغوفونَ ومنتظرون .. وبعقابكَ هم هاربون ..
ما أحلمك .. تفضلتَ علينا بالنِّعمَ .. وقليلٌ هم الشاكرون !
ما أصبرك .. أسديتَ لنا النَّظر .. والكثيرونَ للحرامِ ينظرون!
ما أكرمك .. أعطيتنا نعمةَ السَّمع .. ونحن للأغاني سامعون!!
ما ألطفك .. أهديتَنا اللِّسان .. وللغيبةِ والفواحشِ متكلمون!!
أنتَ المتفضلُ بالنِّعم .. وأنتَ المُعطي بكرمك .. وأنتَ المُسدي بفضلك .. وقليلٌ هُمُ الشاكرون!
رحماكَ ربِّي .. أعترفُ بظلمِ نفسي .. وأبوحُ بضعفي .. وإليكَ لا يُكتم سرٌّ .. ولا يخفى علمٌ .. فأنتَ العالمُ فليسَ فوقَ علمك شيء .. وأنتَ الأولُ فليسَ قبلك أحدٌ .. وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدك أحدٌ .. وأنتَ الظاهرُ والباطن .. والخالقُ والقادر .. والقويُّ المتكبِّر .. فارْحمني!
بفضلكَ ومنِّكَ وكرمك .. بقوِّتكَ وعزِّتكَ وجلالك .. اغفرْ لي زلاَّتي .. وتجاوزْ عثراتي .. وارحمني برحمتك .. يا أرحمَ الراحمين .. ويا أقدرَ القادرين!
سبحانك .. رفعتَ السماءَ بلا عمدٍ أو وتدٍ .. وخلقتَ الإنسَ والجنِّ فلمْ يُعجزوك .. وإذا أردتَ شيئًا فإنَّما تقولُ له كنْ فيكون .. فسبحانك .. بيدكَ ملكوتُ كلِّ شيء .. وإليكَ نرجع .. وأمامكَ نحن مُحاسبون .. فإمَّا كتابٌ بيمين ثم جناتُ نعيم .. وإمَّا كتابٌ بشمالٍ فنارٌ جحيم!
إلى اللهِ فارغبْ لا إلى ذا ولا ذاكَا ** فإنَّكَ عبدُ اللهِ واللهُ مولاكَا
إليكَ أرغبُ يا ربَّ العزة والجلال .. فأنا عبدُك وأنتَ ربِّي .. إليك أشكو وهني .. وأبوحُ بضعفي .. وأسوقُ روحي .. فارحمني .. وتجاوز عن زلاَّتي .. وامحُ خطيئاتي .. وتوفني مع الأبرار .. وألحقني بالأخيار!
إذا أنتَ لمْ تؤثرْ رضى اللهِ وحدَهُ ** على كلِّ ما تَهْوى فلستَ بِصَابرِ
كم وكم آثرنا هوانا .. وآنسنا أنفسنا .. وتبعنا شهواتنا .. ووقعنا في الزلاَّتِ بأيدينا .. يا رب .. فآثرنا على رضاك .. واحمنا بحماك .. وارحمنا برحمتك .. وأدخلنا جنَّتك ..
في قولِ رسولكِ المصطفى .. ونبيِّك المُجتبى .. قولُ الحقِّ الذي لا يحيد .. وكلامُ الدائمِ الذي لا يبيد .. "لو يعلمُ المؤمنُ ما عندَ اللهِ مِن العقوبةِ ما طمعَ بجنَّتِه أحدٌ , ولو يعلمُ الكافرُ ما عندَ اللهِ مِن الرحمةِ ما قنطَ مِن جنَّته أحدٌ" ..
اللهم إنَّا طامعونَ برحمتك .. وراجونَ جنَّتك .. وخائفون مِن عقابك الشَّديد .. فارحمنا وحقِّق مُنانا ..
اللهم إنَّ النفسَ لأمَّارةٌ بالسوء .. وداعيةٌ للشهوة .. اللهم فلا تكلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين .. فتزل وتقع .. وتُذنب فتُعاقب ..
لن نقنطَ ولن نيأسَ .. وأنت القائلُ في محكمِ التنزيل ( قلْ يا عباديَ الذينَ أسرفُوا على أنفسهمْ لا تقنطُوا مِن رحمة الله , إنَّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعًا , إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم )
أسرفنا على أنفسنا .. فارحمنا برحمتك .. وتفضل علينا بفضلك .. وتجاوز عنَّا بقدرتك .. إنَّك أنتَ القويُّ العزيز ..
أتوبُ إليكَ يا رَبَّاهُ عمَّا ** جَنَيْتُ فقدْ تكاثرتِ الذُّنوبُ
وليس لي سوى مُنقذٍ واحد .. ليس لي سوى مَن يقول كن فيكون .. فأرجوك اجعلني ممن يُقال له .. اذهبْ إلى جناتِ نعيم .. واجعلني ممن يُعفى عنهم .. يوم المشهدِ الأكبر .. والطامةِ العظمى .. والامتحان الأصعب ..
سَأُسْأَلُ عن أمورٍ كنتُ فيهَا ** فَمَا عُذري هُناك وما جوابي
بـأيّـَة حُجـّّةٍ أحـتـجُّ يـَوْمَ الـ ** حسابِ إذا دعيتُ إلى الحسابِ
حُجَّتي يا ربُّ .. أنَّك كريمٌ .. ورحيمٌ .. وتوَّابٌ مُحسن .. فتبْ عليَّ .. واحمِ وجهي مِن النار .. وتوفني مع الأبرار .. واجعلْ حياتي حياة الأخيار .. إنَّك عفوٌّ غفَّار ..
"نبضات" سريعة!!
** خبر : "شركةُ مساهمةٍ جديدة , مشكوكٌ في تعاملها بالرِّبا" , تعليق : "دعْ ما يُريبك إلى ما لا يُربيك".
** هذهِ الأيام , كثيرةٌ هي الإشاعاتُ والأخبارُ الكاذبة , وإذا أخذتَ بقولِ الشاعر , فحتمًا ستسلم , وسيسلم كثيرونَ غيرك :خذْ ما تراه ودعْ شيئًا سمعتَ به ** في طلعةِ البدر ما يُغنيك عن زحلِ
** استدلت العربُ على الذكاءِ "بواسعِ الجبين" ، والغباءِ "بعريضِ القفا" , ففتشْ عمَّن هم حولك , وإياكَ والجزم ؛ فربَّ ذكيٍّ بانت عليه علاماتُ الغباء , وربَّ غبيٍّ فيه كلُّ دلائلِ الذكاء!!
** يقول الشاعر :
تراهُ مِن الذكاءِ نحيـلَ جـسمٍ ** عـلـيــه مِـن تـوقِّـده دلـيـلُ
إذا كان الفتى ضخمَ المعالي ** فليس يضرّهُ الجسمُ النحيلُ
** الدُّنيا جزيئاتٌ بسيطة ؛ فاغتنمْ ذلك , وتذكرْ , أنَّ امرأةً دخلتِ النارَ بسببِ "هرة" , وأنَّ رجلاً دخل الجنةَ بسببِ "كلب" , والبصيرُ مَن اتعظ , والأعمى مَن تكبر ولم يقتنعْ!
** قال البخاريُّ ـ رحمهُ الله ـ "منذُ احتلمتُ ما اغتبتُ مسلمًا" , ونحنُ يصحُّ فينا القول "سُكَّرُ مجالسِنا الغيبة" , إلا مَن رحم ربِّي , والله المستعان!!
** عروة بن الزبير : كان يختمُ القرآن , كلَّ أربعةِ أيام , ** معاذُ بن جبل : يُسبِّحُ اللهَ في اليومِ عشرةَ آلاف تسبيحة , ** أبو هريرة : يُسبحُ ربَّه اثنتي عشر ألفًا في اليوم , فأين نحن مِن أولئكَ الأخيار؟
** احفظْ لسانَكَ مِن الزلل , واحمهِ مِن الخلل ؛ فربَّ كلمةٍ ندمتَ عليها طولَ الأمد , وتمنيتَ وقتها أنْ تكونَ في اللحد , فالمرءُ بأصغريه ؛ قلبُه ولسانُه , فاحفظْ لسانك , واعلمْ أنَّه حصانُك , إن خنتَه خانَك , وإن صنتَه صانَك!
** يركضُ بعضُنا نحو شهواتِه , ويلهثُ تابعًا ملذاتِه , ولكن : تبقى عواقبُ سُوءٍ في حقيبتِها ** لا خيرَ في لذةٍ مِن بعدها نارُ .
** تجدُ في بعضِ الأوراقِ والمعاملات , أنْ كُتبَ التاريخُ وحُدِّد بنهاية العقد هذا , وكأن صانعي تلك أو كاتبيها , لم يوقنوا بأنَّنا مقبلونَ على ذلكَ التاريخ , بل ومتجاوزه , الآن , نحنُ على مشارفِ العقدِ الرَّابعِ من القرنِ الرابعَ عشر , فما أسرع الزمان , ما أسرعه !
** لم يكنِ الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسطيًّا في منهجِه وحياتِه فحسب ؛ بل كانَ ـ عليه السلام ـ وسطًا حتى في خَلْقَتِه ؛ فلم يكن بالطويلِ البائن ولا بالقصير , ولا بالأبيض الأمهق , ولا بالآدم , ولا بالجهدِ القَطَط , ولا بالسَّبِط. جمعنا اللهُ مع أبي القاسم , في جناتٍ خالدة , فيها الحورُ العين , والفاكهةُ المختارة , ولحمُ الطيرِ المُشتهى , وفيها ما لا عينٌ رأت , ولا أذنٌ سمعت , ولا خطرَ على قلبِ بشر!
وفي الختام , تعمدتُ أنْ أتنقَّلَ في الموضوعات , كما تتنقَّلُ العصافيرُ بينَ الأشجار , فقلمي عصفور , والشجرةُ كالمواضيع , وأنتم المُستظلونَ بظلِّ الشجرة , والمستمتعون بغناءِ العصافير.
فإنْ وفقتُ فمِن الله , وإنْ أخطأتُ فمِن نفسي والشيطان.
هذا واللهُ أعلم , وصلِّ اللهم وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
http://www.alhilalclub2.com/2007-2008/images/4/ad52db2d2e.jpg
ثمةَ فرصٌ عديدة , وعروضٌ مغرية , تلوحُ في أفقِنا , وتدورُ في قالبِنا , لكنَّنا غافلون عنها , وبعيدون عن استغلالِها ؛ إما لجهلٍ أو كسل , أو لعدمِ استشعارٍ بأهمِّيَّتِها , وغيابِ الإحساسِ المفضي للتَّوجُّهِ نحوها.
ولا ريبَ في أنَّ المتتبِّعَ والقارئَ البسيطَ لسنةِ المصطفى ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم ـ , يَرى كمًّا هائلاً مِن الفرصِ الوفيرة , والتسهيلاتِ الكثيرة , التي تساعدُ المرءَ المسلمَ على آداءِ دينِهِ بما يجب , والتقرُّبِ إِلى الرِّب ـ عزوجل ـ بما يَرغب , وبما يعودُ بالخيرِ على مَن فعلَه , وعلى المجتمعِ بأكملِه , إن هُوَ حرصَ على أنْ يثقِّفَ مَن حولَه , ويُوعِّي مَن هم بقربِه.
عندما يتذكرُ الإنسانُ ما سيواجه بعدَ حياتِه الدنيئة , ويُحلِّقُ بخيالِه إلى العالمِ الخافي , حيثُ لا أحدَ يستطيعُ تصوَّرَ ما قد يَحدث ؛ فإنَّه بالتأكيدِ سيعملُ على تأمينِ نفسِه مما قد ستواجهه مِن عذابٍ أليم , وسيحرصُ على العمل الحسن ؛ ليرضيَ به وجهَ الله , ويَسلمَ مِن عقابه , ويفوزُ بمرضاتِه , ويدخلُ جناتِه.
الجميعُ يعلم ما سنواجهه يومَ القيامة , مِن ضيقٍ وخنق , وصعوباتٍ وآلام , حيثُ الحرُّ الشديد , والعرقُ المغطي لكلِّ الأجسام , بقدرِ الذنوبِ والآثام!
ولكنْ , قليلون هم مَن سيسلمونَ مِن كلِّ ذلك , وسينعمونَ برحمةِ اللهِ وفضلِه , ويستظلونَ بظلِّهِ يومَ لا يُفيدُ المرء ما عملَه بدنياه , إلا مَن عملَ صالحًا فخير , ومَن استمرأَ السيئَ فشر!
ولأنَّ فرصَ الإسلامِ عديدةٌ , فقد أهدى ـ هادي البشرية ـ محمدٌ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم ـ إلى أمته , فرصةً ليَنعموا بها بظلِّ الرحمن , في الحديث الذي رواهُ أبو هريرة , حيث قالَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" سبعةٌ يُظلهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه ، إمامٌ عادل وشابٌّ نشأ في عبادةِ الله ، ورجلٌ قلبُه معلقٌ بالمساجد ، ورجلان تحابَّا في اللهِ اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه ، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتِ منصبٍ وجمالٍ فقالَ إنِّي أخافُ الله . ورجلٌ تصدقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تُنفقُ يمينُه ، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضت عيناه " متفقٌ عليه .
وكلُّ ما جاءَ في الحديث , تدخلُ فيه النساءُ كما الرجال , إلا في موضعيْن اثنيْن هما : 1ـ الولايةُ العظمى. 2ـ ملازمةُ المسجد ؛ لأنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتِها أفضل.
إنَّا واللهِ لمحرومون , يومَ أنْ غفلنا عن كلِّ هذا , والتفتنا صوبَ شهواتِنا وما تُمليه نفوسُنا المائلة لما تشتهي!
أليست تلكَ الفرصُ فرصًا يجبُ أن نعضَ عليها بالنواجذ؟.. ونتمسكُ بها كما يتمسَّكُ الغريقُ بالقشة؟.. ونستغلها أفضلَ وأجملَ استغلال؟..
"إمامٌ عادل" ؛ فالإمامُ هو كلُّ مَن تولَّى شيئًا من أمورِ المسلمين , سواءٌ كانت إمامةً عُليا أو حتى أقل , فما أجملَ العدل , وما أسوأَ الظلم ؛ فالعادِلون مُستظلون بظلِّ الرحمن , ذاك جزاؤهم في الآخرة , وفي الدُّنيا لهم أجرهم.
"شابٌّ نشأ في عبادةِ الله" , لا يتبعُ شهواتِه , ولا يُطيع نفسَه الأمارةِ بالسوء , بل هو مُطيعٌ لربِّه , مُتتبعٌ للخير , منذُ نشأته , ولا يَظلمُ نفسَه بتتبعِ دروبِ الشرِّ والآثام , همُّه حفظُ القرآن , وتفكيرُه فَهَمَ السُّنن , وعقلُه مُنشغلٌ بالإيمان ؛ فلله دره مِن إنسان!
"رجلٌ قلبُه معلقٌ بالمساجد" , يرتاحُ بها , ويأنسُ بجلوسِه ببيوتِ الله , ويضيقُ ذرعُه , وتحزنُ نفسُه , حينَ يكونُ بعيدًا عنها ؛ فقد تعلقَ قلبُه بالمساجد , وأضحت سعادتُه بها , بالأحرى , هو عشقها , فما أطيبه مِن عشق , ما أطيبه!
"رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه" , لا يُحبُّ فلانًا لجاهِه , أو يَتقرَّبُ مِن ذاك لمالِه , ولا يفضحُ بعشقِه بسببِ المصالحِ الدنيويةِ أو حتى لجمالِه , بل يُحبُّ هذا ؛ لأنَّه رأى منه مِن الخيرِ ما رأى , ووجدَ أنه سيستفيد منه لا محالة ؛ فالمرءُ يُحشرُ مع مَن أحب , فكنْ يقظًا باختيارِ خليلك أو مَن أحببت!
"رجلٌ دعته امرأةٌ ذاتِ منصبٍ وجمالٍ فقال إنِّي أخافُ الله" , تغلغلَ الإيمانُ وسطَ أحشائه , وشربَ قلبُه كلَّ معاني الإسلامِ وروحانيتِه , لم يأبه بطلبِها , ولم يغره جمالُها , ولم تتحركْ مشاعرُه تُجاهها بسببِ جاهها ؛ فمَن عرف اللهَ وأحبَّه , أحبَّه اللهُ وحماه , فكان سمعَه الذي يَسمعُ به , وبَصَرَه الذي يُبصرُ بها, وعينَه التي يرى بها , ويدَه التي يبطشُ بها , فأينَ نحن مِن قوة إيمان ذاك الخائفِ؟ , فكما قال الشاعر :
وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظلمةٍ ** والنَّفْسُ داعيةٌ إلى الطُّغيانِ
فاستَحِي مِن نظرِ الإلهِ وقلْ لها ** إنَّ الذي خلقَ الظلامَ يَراني
"رجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا تعلمَ شمالُه ما تنفقُ يمينُه" , لم يتصدقْ لأجلِ سمعة , ولم يعطِ رياءً ؛ فكلُّ ما يطلبُه هو رضا اللهِ عليه ؛ فمِن شدَّةِّ حرصِه على حسن نيَّته , لا ترى شماله ما أنفقت يمينه , وذاكُ الإيمانُ الحقُّ والله!
"رجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضت عيناه" , يُناجي ربَّه , يرجو عفوه , ويَشتكي ضعفَه , لم تستطعْ نفسُه كتمَ الدموع ؛ فهو وحده حيثُ لا أحدَ يرائي عندَه ؛ إنما هُوَ الخوفُ والخشيةُ مِن ربِّ الأرضِ والسماوات , والطمعُ بظلِّ ربِّ العرشِ ومُعطي المكرمات , فيا لها مِن دموع , ليست كأيِّ دموع ؛ لأنَّها دموعُ القلب!
إنَّ السؤالَ الذي يجبُ على كلِّ واحدٍ أنْ يَسألَ نفسَه , أينَ نحنُ مِن كلِّ هذا؟ وما هي حصيلتُنا مما ذكره المصطفى؟... فلنزرع العمل , وننتظر الحصاد , العمل .. ما جاءَ ذكرُه .. , الحصاد .. ظلٌّ ممدود ..
ثمةَ سؤال , هل في ما ذُكرَ مشقةٌ أو تعب؟.. أو هلْ فيها ما هو معجزٌ أو مستحيل؟.. وحتى إنْ كانَ فيها شيئًا مِن ذلك ـ رغم العدم ـ ؛ هل نظرنا ما هي المكافأةُ المنتظرة؟.. إنَّها عطيةٌ جزيَّة , وكرمٌ كبير , ينتظر الصابرينَ والعاملين , إنْ كانوا بالظلِّ طامعين!
الحوارُ والإسلام
لا ريبَ أنَّ حدثَ العالمِ اليوم , والكلام الدارج في زمنِنا هذا ؛ هو الحوار , فالجميعُ في العالمِ يتغنَّونَ بأنَّهم مميزون في الحوار , بل ويذهبون إلى ما هو أبعد مِن ذلك , حين يُشيرون إلى أنَّ أحدَ أهمِّ أسبابِ تقدِّمهم ونجاحهم ؛ هو انتشارُ ثقافةِ الحوارِ في كافةِ أطيافِ المجتمع , وإذا ما أردنا أنْ نأخذَ الموضوعَ مِن الجانبِ الذي يخصُّنا في مجتمعِنا , فإنَّنا ـ والحقُّ يُقال ـ ما زلنا بعيدين عن ثقافةِ الحوار بصورتِها الصحيحة , أو حتى بصورتها القريبةِ مِن الصحة.
ويجبُ أنْ نقفَ قليلاً عند مركزِ الملك عبد العزيز للحوارِ الوطني , الذي تمَّ تفعيلُه مِن سنواتٍ بسيطة , ونُشيدَ به ولو لم يكن تنفيذيًَّا بشكلٍ كبير , إلا أنَّ انتشارَ ثقافة الحوار أمرٌ جميلٌ جدًّا.
ويزعمُ البعضُ إلى ادعاءِ أنَّ الدينَ الإسلامي , يقفُ موقفَ المعارضِ تجاه الحوارات , أو ربما لا يحبذها , ويجزم بأمور قطعية لا يُقبلُ النقاشُ فيها.
وهذا الرأي فيه تعدٍّ كبير , وكذبٍ واضح , وزرٍ بائن , وبهتانٍ فاضح ؛ فمَن قرأ القرآنَ الكريم , وتتبع آياتِه , وفهم معانيه , سيعلم أن في القرآنِ نماذجُ كثيرة , وصورٌ عديدة , تبيِّنُ كيف أن الإسلام أعطى الحوارَ حقَّه مِن الأهميةِ بشكلٍ كبير.
فقد ورد في القرآن الكريم , عدةَ نماذج من الحوارات , منها الحوارُ الذي دارَ بينَ إبراهيمَ ـ عليه السلام ـ وبين ربِّه , والحوارُ الذي دارَ بينَ إبراهيمَ أيضًا ـ عليه السلام ـ وأبيه آزر , ووردَ أيضًا في القرآن حوارًا بينَ موسى ـ عليه السلام ـ وفرعون.
أما السنةُ النبويِّة ؛ فقد ضرب نبيُّنا المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أروعَ الأمثلة , وحققَّ كل شروط الحوار , في مواضعَ عدة , ومواقفَ كثيرة , لا يتسع المقامُ لذكرها كلها , لكننا سنعرِّجُ على بعضٍ منها.
فالقصةُ التي ظلت تدورُ في ذهني , ولم تغادرْ مُخيلتي , هي قصةُ ذهابِ الوليد بن المغيرة إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بدايةِ دعوتِه ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وطلب الوليدُ مِن الرسولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ محاورته , وكان له ذلك , فجلسَ يحاورُ النبيَّ وقتًا طويلاً , فكان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ منصتًا له , ولم يُذكرْ أنْ قاطعه , أو تململَ منه , فلمَّا انتهى الوليدُ مِن كلامه , قال له الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : هل انتهيتَ أبا الوليد؟ , فقال الوليد : نعم , فجلس النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأَ القرآن عليه , حتى ذهب الوليدُ إلى قومِه , وكاد أن يُسلمَ , لولا وشايةُ أبي جهل.
لقد كان النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ محاورًا وقدوةً في الحوار أيضًا , وهنا يتبيِّنُ لنا , كيف أنَّ النبيَّ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حققَّ كل َّ شروطِ الحوارِ الصحيح , التي ما فتئ الكثيرون يُذكروننا بها ؛ فالإنصاتُ والاستماعُ بتركيز , وفَهْمُ ما يُريدُ الآخر , وعدمُ الانتقاصِ مِنه , وتركُ الفرصةِ للمحاورِ الآخرِ بالكلام , وعدم مقاطعته , ثم الردُّ ببرهانٍ وهدوء , كلُّها تحققت في هادي البشرية ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
أيضًا في قصةِ الأعرابيِّ الذي زجر الرسولَ ـ صلى الله وعليه وسلم ـ وسحبَ عمامته , وقال له : أعطني مما أعطاك الله يا محمد , فكان النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حليمًا , ولم يرد عليه ما فعله , بل طيب خاطره , وفي ذلك , يتبيِّنُ لنا , كيف أن النبيَّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ كيف كان قدوةً حقيقيةً في الأدبِ والحلم , حتى في أسوأ الظروف وأصعبها.
إنَّ في ذلك , عدةُ عبرٍ للمعتبرين , وفيها ردٌّ على المُرجفين , فقد وضحَ لنا كالشمس , كيف أنَّ محمدًا كان حضاريًّا في وقتٍ لم تظهرْ شعارات الحضارة! , وكان محاورًا في زمنٍ كانت المؤتمراتُ غائبة! , إنه الرسولُ القدوةُ في كلِّ الأزمان ,, والنبيُّ المتبعُ على مرِّ الدهور والأيَّام!
.. وخيرُ جليسٍ .. كتاب!
في أبجديات العُرف , ومن أسهل الأمور المفهومة ؛ هو أن وضع شيء في مكان له أهميته , يُشعر الجميع بأهمية ذلك الشيء الموضوع.
ولأنَّ للكتاب أهميةً كبرى , وفائدةً عظمى ؛ فإنَّ أولَ شيءٍ أمُر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله تعالى (اقرأ) , وفي ذلك , دلالةٌ كبيرة , وبرهانٌ واضح , على أن القراءة تحتلُّ مكانًا كبيرًا في قاموس الإنسان المسلم.
والقراءة ليست حصرًا على الكتبِ العلمية , أو الرواياتِ العالمية , أو المذكراتِ اليومية ؛ بل يوجدُ ما هو أفضلُ مِن كلِّ هذا , وأكثرُ أجرًا مِن كلِّ ما سبق , ذلك , أنَّ القرآنَ الكريم ؛ هو أفضلُ الكتبِ وأفيدها , وأجملها وأكثرها مُتعة , وفي ذلك لا ريب , ولا شكَّ أو ظن , فيكفي أنْ نتمعَّنَ بقولهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قال "اقرأوا القرآن , فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابِه" , لنُدركَ مِن خلاله , كم هو عظيمٌ فضلُ قراءةِ القرآن , وكم هو أعظم , قراءته بتدَّبرٍ وخشوعٍ , وبتمعُّنٍ وتفكُّر.
ولا شكَّ أنَّ قراءةََ الكتبِ ـ أيًّا كان نوعها ـ , تعدُّ مفيدةً بشكلٍ ربَّما يسمح للإنسانِ بأنْ يندمجَ مع الآخر ويفهمه , ولربما زاده الكتابُ ثقافةً , ونمَّا علمه. يقولُ المتنبي عن الكتاب : أعزُّ مكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ ** وخيرُ جليسٍ في الأنامِ كتابُ
بل وصلَ الأمرُ بالجاحظ , إلى أنْ وصفَ الكتابَ بأنَّه أوفى صديق , حينَ أكَّدَ أنَّ الكتابَ لا يُفشي سرَّه , ويكتمَ أمره , حين قال :
أوفى صديقٍ إنْ خلوتُ كتابي ** ألهُو به إنْ خانني أصحابي
لا مُـفـشـيـًا سِـرًّا إذا أودعـتـُهُ ** وأفوزُ منهُ بحكمةٍ وصوابِ
وممَّا يجدرُ ذكرُه , ويحسنُ التذكير به ؛ هو أنَّه في السابق ـ بوجهةِ نظري ـ , كان القرَّاءُ كثيرين , والكتبُ قليلةٌ , وفي هذا الزمن , انقلبتِ الطاولة , وانعكستِ الآية , فأضحتِ الكتبُ كثيرةً , والقراءُ قليلون!
بل تعدَّى الأمرُ حدودَ المنطق , وتجاوزَ أبجديات العُرف ؛ إذ أصبح حملُ الكتبِ ـ لا قراءتها ـ مباهاةً وشكلياتٍ أكثرَ مِن كونِه فائدةً واستمتاعًا وقضاءً للوقتِ بما يُفيد !
وهذا الأمرُ بالذات , انتشرَ كانتشارِ النارِ في الحطبِ الهشيم , وبالأخص , في المعارضِ الدوليةِ التي بدأت بأخذِ مكانًا لها في حياةِ المواطن.
كثيرونَ هم الذين جاؤوا لزيارةِ المعارضِ الدولية , وأخذوا معهم كتبًا ليست بالقليلة , لكنهم , يعترفونَ بأنَّ الكتبَ التي اشتروها في العامِ الماضي ؛ لم يقرؤوها بعد!
إذ أنَّ الأمرَ تحول إلى مباهاةٍ وتقليدٍ ومجاراةٍ , أكثر مِن كونه فائدةً وشغلاً للوقتِ بما يعود بالنفع على صاحبه!
وهذا الأمرُ , يقودنا إلى إسقاطٍ آخر , يُمارسه المجتمعُ بشكلٍ فظ , ذلك , أن التقليدَ ومحاكاةَ الآخر , أمرًا أراهُ ينتقصُ مِن شخصية ذلكَ الشخصِ المقلِّدِ والمحاكي!
فالله ـ جلا و علا ـ خلق النَّاسَ وفرَّق في خُلُقهم , وفي خِلْقَتهم , ولم يساوِ بينهم في الطباعِ , فلكلِّ إنسانٍ شخصيته المستقلة , وحياته الخاصة ؛ فليعشْ كلَّ واحدٍ منَّا بقدرِ ما يُريد هو , بعيدًا عن سياسةِ التقليد والبهرجة !
فالشاعرُ ولد شاعرًا , فلماذا تُشترى القصائد , ويُدعى الإحساسُ غيرِ الصادق , ألأجل أنْ يُقال عنك بأنَّك شاعرٌ , بينما أنت في الحقيقةِ لستَ كذلك , هذا ضحكٌ على النفسِ أولاً , وضحكٌ على الآخرين أيضًا!
والمثَقَّفُ تعلَّم ودرس , وقرأَ واستفاد , حتى وصلَ لأنْ يسمِّيه الناسُ بالمثقف , فلماذا لا تجتهدُ وتقرأ وتتعلم , حتى تُنادى بالمثقف , وتترك استجداءَ الثقافةِ غصبًا , وطلبها بطرقٍ ملتويةٍ وغيرِ سوية ؟
والعالمُ حفظَ القرآن , وقرأَ السنن , وتعلَّم منذُ الصغر , ثم يأتي أحدُنا وبكلِّ غباء , ليُفتي بفتيةٍ شرعيةٍ مِن عنده , ويدَّعي أنَّه يفهم كما يفهمُ هؤلاء , بينما هو في الحقيقةِ لا يتعدَّى كونه متطفلاً على علمٍ هو ربما لا يفهم أبجدياته فكيفَ بمغيَّباته وأسراره ودهاليزه ؟
وهكذا دواليك , في كلِّ سائر علومِ الحياة , فالإنسان يجبُ أنْ يكونَ صادقًا مع نفسِه أولاً , بألا يضحكُ عليها بادعاءِ شيءٍ لا يُجيده , ثم , يكون صادقًا مع الآخرين , بألا يُوهمهم بأنَّه يفهم في ذاك العلم أو هذا , ثمَّ يقعُ وقعةَ الأعمى في الحفرةِ العميقة ؟!
وعودٌ على البدء ؛ فإنَّه مِن الجميلِ حقًّا , أنْ نفتَّشَ عمَّا تحويه مكتباتنا الخاصة , ونقرأَ الكتبَ التي اشتراها بعضُنا ؛ لأجل البهرجةِ والمباهاةِ والمحاكاةِ والتقليد , عياذًا بالله من فعل أشياءَ تنتقصُ من شخصية الفرد , بتصرفاتٍ كتلك , كما يفعلها الناقصونَ أو المستنقصون , كلاهما سيَّان !
رجاء!!
بكَ لا ينقطعُ الأمل .. وبقوَّتِك تذوبُ كلُّ المصاعب .. وبرحمتكَ العبادُ شغوفونَ ومنتظرون .. وبعقابكَ هم هاربون ..
ما أحلمك .. تفضلتَ علينا بالنِّعمَ .. وقليلٌ هم الشاكرون !
ما أصبرك .. أسديتَ لنا النَّظر .. والكثيرونَ للحرامِ ينظرون!
ما أكرمك .. أعطيتنا نعمةَ السَّمع .. ونحن للأغاني سامعون!!
ما ألطفك .. أهديتَنا اللِّسان .. وللغيبةِ والفواحشِ متكلمون!!
أنتَ المتفضلُ بالنِّعم .. وأنتَ المُعطي بكرمك .. وأنتَ المُسدي بفضلك .. وقليلٌ هُمُ الشاكرون!
رحماكَ ربِّي .. أعترفُ بظلمِ نفسي .. وأبوحُ بضعفي .. وإليكَ لا يُكتم سرٌّ .. ولا يخفى علمٌ .. فأنتَ العالمُ فليسَ فوقَ علمك شيء .. وأنتَ الأولُ فليسَ قبلك أحدٌ .. وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدك أحدٌ .. وأنتَ الظاهرُ والباطن .. والخالقُ والقادر .. والقويُّ المتكبِّر .. فارْحمني!
بفضلكَ ومنِّكَ وكرمك .. بقوِّتكَ وعزِّتكَ وجلالك .. اغفرْ لي زلاَّتي .. وتجاوزْ عثراتي .. وارحمني برحمتك .. يا أرحمَ الراحمين .. ويا أقدرَ القادرين!
سبحانك .. رفعتَ السماءَ بلا عمدٍ أو وتدٍ .. وخلقتَ الإنسَ والجنِّ فلمْ يُعجزوك .. وإذا أردتَ شيئًا فإنَّما تقولُ له كنْ فيكون .. فسبحانك .. بيدكَ ملكوتُ كلِّ شيء .. وإليكَ نرجع .. وأمامكَ نحن مُحاسبون .. فإمَّا كتابٌ بيمين ثم جناتُ نعيم .. وإمَّا كتابٌ بشمالٍ فنارٌ جحيم!
إلى اللهِ فارغبْ لا إلى ذا ولا ذاكَا ** فإنَّكَ عبدُ اللهِ واللهُ مولاكَا
إليكَ أرغبُ يا ربَّ العزة والجلال .. فأنا عبدُك وأنتَ ربِّي .. إليك أشكو وهني .. وأبوحُ بضعفي .. وأسوقُ روحي .. فارحمني .. وتجاوز عن زلاَّتي .. وامحُ خطيئاتي .. وتوفني مع الأبرار .. وألحقني بالأخيار!
إذا أنتَ لمْ تؤثرْ رضى اللهِ وحدَهُ ** على كلِّ ما تَهْوى فلستَ بِصَابرِ
كم وكم آثرنا هوانا .. وآنسنا أنفسنا .. وتبعنا شهواتنا .. ووقعنا في الزلاَّتِ بأيدينا .. يا رب .. فآثرنا على رضاك .. واحمنا بحماك .. وارحمنا برحمتك .. وأدخلنا جنَّتك ..
في قولِ رسولكِ المصطفى .. ونبيِّك المُجتبى .. قولُ الحقِّ الذي لا يحيد .. وكلامُ الدائمِ الذي لا يبيد .. "لو يعلمُ المؤمنُ ما عندَ اللهِ مِن العقوبةِ ما طمعَ بجنَّتِه أحدٌ , ولو يعلمُ الكافرُ ما عندَ اللهِ مِن الرحمةِ ما قنطَ مِن جنَّته أحدٌ" ..
اللهم إنَّا طامعونَ برحمتك .. وراجونَ جنَّتك .. وخائفون مِن عقابك الشَّديد .. فارحمنا وحقِّق مُنانا ..
اللهم إنَّ النفسَ لأمَّارةٌ بالسوء .. وداعيةٌ للشهوة .. اللهم فلا تكلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين .. فتزل وتقع .. وتُذنب فتُعاقب ..
لن نقنطَ ولن نيأسَ .. وأنت القائلُ في محكمِ التنزيل ( قلْ يا عباديَ الذينَ أسرفُوا على أنفسهمْ لا تقنطُوا مِن رحمة الله , إنَّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعًا , إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم )
أسرفنا على أنفسنا .. فارحمنا برحمتك .. وتفضل علينا بفضلك .. وتجاوز عنَّا بقدرتك .. إنَّك أنتَ القويُّ العزيز ..
أتوبُ إليكَ يا رَبَّاهُ عمَّا ** جَنَيْتُ فقدْ تكاثرتِ الذُّنوبُ
وليس لي سوى مُنقذٍ واحد .. ليس لي سوى مَن يقول كن فيكون .. فأرجوك اجعلني ممن يُقال له .. اذهبْ إلى جناتِ نعيم .. واجعلني ممن يُعفى عنهم .. يوم المشهدِ الأكبر .. والطامةِ العظمى .. والامتحان الأصعب ..
سَأُسْأَلُ عن أمورٍ كنتُ فيهَا ** فَمَا عُذري هُناك وما جوابي
بـأيّـَة حُجـّّةٍ أحـتـجُّ يـَوْمَ الـ ** حسابِ إذا دعيتُ إلى الحسابِ
حُجَّتي يا ربُّ .. أنَّك كريمٌ .. ورحيمٌ .. وتوَّابٌ مُحسن .. فتبْ عليَّ .. واحمِ وجهي مِن النار .. وتوفني مع الأبرار .. واجعلْ حياتي حياة الأخيار .. إنَّك عفوٌّ غفَّار ..
"نبضات" سريعة!!
** خبر : "شركةُ مساهمةٍ جديدة , مشكوكٌ في تعاملها بالرِّبا" , تعليق : "دعْ ما يُريبك إلى ما لا يُربيك".
** هذهِ الأيام , كثيرةٌ هي الإشاعاتُ والأخبارُ الكاذبة , وإذا أخذتَ بقولِ الشاعر , فحتمًا ستسلم , وسيسلم كثيرونَ غيرك :خذْ ما تراه ودعْ شيئًا سمعتَ به ** في طلعةِ البدر ما يُغنيك عن زحلِ
** استدلت العربُ على الذكاءِ "بواسعِ الجبين" ، والغباءِ "بعريضِ القفا" , ففتشْ عمَّن هم حولك , وإياكَ والجزم ؛ فربَّ ذكيٍّ بانت عليه علاماتُ الغباء , وربَّ غبيٍّ فيه كلُّ دلائلِ الذكاء!!
** يقول الشاعر :
تراهُ مِن الذكاءِ نحيـلَ جـسمٍ ** عـلـيــه مِـن تـوقِّـده دلـيـلُ
إذا كان الفتى ضخمَ المعالي ** فليس يضرّهُ الجسمُ النحيلُ
** الدُّنيا جزيئاتٌ بسيطة ؛ فاغتنمْ ذلك , وتذكرْ , أنَّ امرأةً دخلتِ النارَ بسببِ "هرة" , وأنَّ رجلاً دخل الجنةَ بسببِ "كلب" , والبصيرُ مَن اتعظ , والأعمى مَن تكبر ولم يقتنعْ!
** قال البخاريُّ ـ رحمهُ الله ـ "منذُ احتلمتُ ما اغتبتُ مسلمًا" , ونحنُ يصحُّ فينا القول "سُكَّرُ مجالسِنا الغيبة" , إلا مَن رحم ربِّي , والله المستعان!!
** عروة بن الزبير : كان يختمُ القرآن , كلَّ أربعةِ أيام , ** معاذُ بن جبل : يُسبِّحُ اللهَ في اليومِ عشرةَ آلاف تسبيحة , ** أبو هريرة : يُسبحُ ربَّه اثنتي عشر ألفًا في اليوم , فأين نحن مِن أولئكَ الأخيار؟
** احفظْ لسانَكَ مِن الزلل , واحمهِ مِن الخلل ؛ فربَّ كلمةٍ ندمتَ عليها طولَ الأمد , وتمنيتَ وقتها أنْ تكونَ في اللحد , فالمرءُ بأصغريه ؛ قلبُه ولسانُه , فاحفظْ لسانك , واعلمْ أنَّه حصانُك , إن خنتَه خانَك , وإن صنتَه صانَك!
** يركضُ بعضُنا نحو شهواتِه , ويلهثُ تابعًا ملذاتِه , ولكن : تبقى عواقبُ سُوءٍ في حقيبتِها ** لا خيرَ في لذةٍ مِن بعدها نارُ .
** تجدُ في بعضِ الأوراقِ والمعاملات , أنْ كُتبَ التاريخُ وحُدِّد بنهاية العقد هذا , وكأن صانعي تلك أو كاتبيها , لم يوقنوا بأنَّنا مقبلونَ على ذلكَ التاريخ , بل ومتجاوزه , الآن , نحنُ على مشارفِ العقدِ الرَّابعِ من القرنِ الرابعَ عشر , فما أسرع الزمان , ما أسرعه !
** لم يكنِ الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسطيًّا في منهجِه وحياتِه فحسب ؛ بل كانَ ـ عليه السلام ـ وسطًا حتى في خَلْقَتِه ؛ فلم يكن بالطويلِ البائن ولا بالقصير , ولا بالأبيض الأمهق , ولا بالآدم , ولا بالجهدِ القَطَط , ولا بالسَّبِط. جمعنا اللهُ مع أبي القاسم , في جناتٍ خالدة , فيها الحورُ العين , والفاكهةُ المختارة , ولحمُ الطيرِ المُشتهى , وفيها ما لا عينٌ رأت , ولا أذنٌ سمعت , ولا خطرَ على قلبِ بشر!
وفي الختام , تعمدتُ أنْ أتنقَّلَ في الموضوعات , كما تتنقَّلُ العصافيرُ بينَ الأشجار , فقلمي عصفور , والشجرةُ كالمواضيع , وأنتم المُستظلونَ بظلِّ الشجرة , والمستمتعون بغناءِ العصافير.
فإنْ وفقتُ فمِن الله , وإنْ أخطأتُ فمِن نفسي والشيطان.
هذا واللهُ أعلم , وصلِّ اللهم وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
http://www.alhilalclub2.com/2007-2008/images/4/ad52db2d2e.jpg