حاتم
11/7/2002, 03:57
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم
- من يشاهد فيلم المخرج أنطوان فوكوا الأخير؛ "يوم التدريب"، يتمنى أن لا يصدِّق عينيه لأنَّ المخرج يلعب بقسوة على أعصاب المشاهدين. ومع انّ الفيلم مُلقى تماماً على كاهل الممثل الشهير دنزل واشنطن، فإنّ أداءهُ لدور "ألونزو هاريس" ضابط شرطة مكافحة المخدرات البارز، ليس من الأمور المعتادة بالنسبة لواشنطن، الذى يحمل الصدق والكرامة والشرف على كتفيه دائماً، وفى كل أدواره السينمائية المعروفة فى أفلام مثل "المجد"، "فيلادلفيا"، "مالكولم X"، "الإعصار". وحتى فى أفلامه التجارية الناجحة التصقت به صورة البطل والمدافع عن الخير بصورة او أخري. ولأن واشنطن يبقى فى أذهان الجميع؛ صوتاً اسود هادراً ضد الظلم والعنصرية وسوء الفهم، فإن دور "ألونزو هاريس" ضابط الشرطة المراوغ، الملتوي، يبدو محيِّراً. إنه ليس ذاك الشرطى الفاسد المعتاد فى السينما، ولا يبدو انه تورّط فجأة فأصبح فاسداً. إنه يتحدى المشاهدين طوال الوقت، أنْ يحزروا هويته ... والى أى جانب يقف!. إنه بهلوان ممتاز على حبال مشدودة بين الخير والشر، أو الحق والباطل. والأدق إنه يرقص برشاقة وكفاءة على الحبال المشدودة بين القانون والجريمة. ولكنْ، ما هو الحق وما هو الباطل. من يُحدّدهما، ألا يتداخلان أحياناً. هل القانون يعنى الحق؟. هل الجريمة تعنى الباطل؟ .. وبمرور الوقت، يتمكن واشنطن من تشويشنا تماماً، وكذلك تشويش مساعده الجديد الضابط المبتدئ "جيك هُويْت" الذى يقوم بدوره الممثل ايثان هوك. وتقريباً نصدِّق مع "هويت" فلسفة "ألونزو" الجديدة او سياساته الواقعية RealPolitik الى حدٍّ ما. فمقر فرقة مكافحة المخدرات ليس خلف الجدران السميكة فى البنايات العالية، بل فى سيارة سريعة تجوب شوارع المدينة وأحياءها ليل نهار. وبدل الأساليب المعتادة من: "لك الحق فى التزام الصمت ..." والتحقيقات المطوّلة والحماية القانونية، على رجال الشرطة أن يكونوا ذئاباً ليتمكنوا من محاربة الذئاب التى تملأ شوارع المدينة. وهكذا يتحول عملهم - فعلياً - الى مداهمات فجائية، سريعة، عنيفة، بدون مُذكِّرات او أوامر قضائية؛ يتحول الى تلاعب بالأدلة وسرقة للغنائم من أموال ومخدرات مع إفراط فى ممارسة العنف البدنى واللفظى مع المشبوهين وسط الشارع، وتصفية الحساب معهم شخصياً وفورياً بدون انتظار المحاكم الطويلة، ومناورات المحامين البارعين الذين يتمكنون، ببساطة أحياناً، من تخليص المجرمين من براثن القانون. ولأن فلسفة ألونزو تقوم على العقل والمرونة والكفاءة كما يدّعي، فإن بإمكانك إقامة علاقات غير عادية مع بعض المشبوهين للحصول على معلومات ولضرب العصابات ببعضها البعض. لا بل تستطيع أن تتبادل معهم بعض الخدمات أيضاً. باختصار، يجب أن تكون خلاّقاً فى عملك. وماذا أيضاً؟ ... تستطيع أن تتناول البيرة فى سيارة الشرطة طوال الوقت. كما تستطيع تناول مشروب كحولى قوى أحياناً، وحتى تعاطى المخدرات أيضاً أثناء أوقات العمل! ... إذ كيف ستكون ذئباً بدون هذه الأشياء والممارسات. كيف ستحارب المخدرات وانت لا تدرى ماهية هذه المخدرات وأنواعها وتأثيراتها. وفى مشهد غير مسبوق يُجبِر ضابط شرطة كبير مساعدهُ المبتدئ على تعاطى المخدرات تحت تهديد السلاح فى سيارة الدورية ... وهذا أول الغيث. وعندما تكون بهذه المرونة والتحرّر من اللوائح، فلا بد أن تكون متساهلاً فى مسائل الإخلاص العاطفى والجنسى أيضاً. وبالفعل، فإن شرطينا البارز "ألونزو"، حامل النياشين والأوسمة، له عشيقات وابناء فراش أيضاً. أما إنجازه الأكبر والنهائى فهو تحويله لمجموعة مساعديه الأشدّاء والأكفّاء الى "عصابة" قوية جداً، تقوم بكل الأعمال الإجرامية من سرقة وقتل وترويع فى وضح النهار. وبالتأكيد هناك رجال شرطة فى العالم الواقعى مثل ألونزو او أسوأ، وفى كل مكان وزمان. ولكنّ ألونزو يقف وراءه ساحرٌ كبير: دنزل واشنطن، كما يمتاز بلباقة وسلاسة وجمالية خاصة. إنه يتصرف مثل نبيٍ غير مُرسَلْ، او ملاكٍ سقط دون أن يدري. وهذا يظهر حتى فى ملابسه السوداء، ومجموعة السلاسل والصلبان الفضية الكبيرة على صدره، وأحاديثه عن الدين والإيمان والالتزام؛ حيث يحاول خلط الأوراق وتبرير كل شيء، مستفيداً من تاريخه الشخصى وحضوره الكاريزماتى وسطوته على الشارع الإجرامي. لكنّه يعبرُ الحدود. يُصدِّق أسطورته اكثر من اللازم. وفجأة، نراه يقتل المجرمين ببرود أعصاب بدلاً من تقديمهم للمحاكمة، يسرق ملايينهم ليعطيها الى المافيا الروسية كدية او تعويض عن قتله احد كبار هذه المافيا. وأخيراً يُسلّم مساعده الجديد - جداً - الذى لم تعد تنطلى عليه هذه التعاليم والوصايا الجديدة، الى عصابة عنيفة من السلفادوريين ليقتلوه ! . لكن فى يوم التدريب هذا، تتفكك الأسطورة، وينهار البنيان. ينقلب الجميع ضد ألونزو والذى سئموا من سطوته وهيمنته و"تبشيره" أيضاً فى أوساط العالم السفلى وعصاباته السوداء والهسبانية. وفعلياً يساعد هؤلاء الشرطيَ المبتدئ "هويت" ليتخلص من هذا الإبليس الأسود!.
-2-
إبليس/أسود، وملاك/ابيض، هما نجما الفيلم الساطعان. وما يقع بينهما من الألوان/الأعراق ملوّثٌ أيضاً. ويستفيد المخرج تماماً من عدم قدرة المشاهدين على تصديق ما يجرى وخصوصاً على يدى الفنان واشنطن، ليزيد تدريجياً جرعات الفساد والسقوط التى يكشفها واشنطن أمامنا بكل سعادة. وعلى حد قول الأخير لإحدى المجلات: الأشرار يحصلون على المتعة والمرح دائماً. الجميع يحبهم او يحسدهم، لأنهم يستطيعون قولَ وفعلَ ما يشاءون . وقد يذكرِّنا الفيلم بأفلام من هذا النوع مثل "الشؤون الداخلية"، "لوس أنجلوس: سرى للغاية"، "طريق رقم 9"، "الاتصال الفرنسي"، "الملازم السيء" وغيرها. الاّ انه يتفوق عليها جميعاً وخصوصاً فى جرأته العنصرية. فكل الأحداث تدور فى أماكن وتجمعات إثنية سوداء ولاتينية؛ غير البيض - فى الفيلم - يظهرون بصورة نمطية سلبية جداً؛ خطِرين، ذوى صلات قوية بعالم الإجرام، على استعداد دائم لاستعمال العنف. كما أن الشرطى السيء جداً، هو أسود أيضاً. ولتكتمل الصورة تماماً، فإنّ الشرطى المبتدئ الأبيض الذى يتعرض الى صنوف عديدة من الخداع والعنف ويُجبر على تعاطى المخدرات والسكوت عن جرائم القتل والسرقة ... هو الأمل الأخير لكسر إمبراطورية ألونزو الكريهة.
ابيض/ملاك، اسود/شيطان. انهما حتى لا يتبادلان الأدوار أحياناً، لكن يخلّدان فيها. ولأن مخرج الفيلم اسود وبطله أشهر ممثل اسود، ينجو الفيلم من الاتهام بالعنصرية والتمييز العرقي. وما لا يفهمه العديد من الناس، وبضمنهم بعض المثقفين والمبدعين، إنه ليس بالضرورة أن تكون ابيض لتكره او تحتقر السود والملونين، وليس بالضرورة أن تكون يهودياً لتكون صهيونياً. ربما تكون عربياً وصهيونياً فى نفس الوقت، ومع إنها مفارقة الا إنها حاصلة شئنا ام أبينا. وفيلم "علي" عن سيرة البطل الأسود محمد على يخبرنا عن العديد من الأبطال والمشاهير السود الذين يهجرون قومهم وأصلهم وجلدهم ما ان يتربعوا على العروش. وفى رأيي، ان الفيلم يسقط فى براثن العنصرية والتنميط العرقى بالرغم من لون بشرة مخرجه وبطله. وبالطبع فان واشنطن وهوك رائعان الى ابعد الحدود، مُقنعان جداً فى دوريهما. وقد اختارهما المخرج بمنتهى الذكاء مستفيداً من قابلياتهما العالية ومستواهما الفنى وثقافتهما وكذلك من صورتيهما امام الجماهير. إذ يبدو هوك - منذ البداية - مفعوصاً أمام واشنطن، ويزداد إنفعاصاً بمرور الوقت فى يوم التدريب المشؤوم هذا ... الى الحد الذى لم يعد فيه السكوت ممكناً. فواشنطن/ألونزو، لا يمارس فعل الإذلال على تلميذه فحسب بل على المشاهدين أيضاً، مغلِّفاً كل شروره بحكمة وروحانية "شوارعية" جديدة. ويعيش هوك/هويت، هذا الانسحاق مثل أبله او ساذج، معتمداً على ما تعلّمه فى أكاديمية الشرطة والمنطق العادى الذى يتناقض كلياً مع تجارب وأساليب الونزو "الواقعية" الجديدة. وبمرور الوقت يفقد ألونزو/واشنطن سحره السينمائى بينما يكتسبه هُويْت/هوك. والحقيقة إن الوجود المتلازم للممثلَين واشنطن/هوك، وشخصيتَيهما: شرطى سيء ذكي/شرطى نظيف ساذج، وشيطان اسود/ملاك ابيض ... يعطى الفيلم قوة درامية ومستوى فنى لا يستحقهما - او لا يحققهما - بغياب المزدوج الأول (واشنطن/هوك).
فمعظم أحداث الفيلم والمواقف التى يصادفها بطلا الفيلم والتى ستعلب ادواراً حاسمة فى مصيريهما لاحقاً ... تبدو مقحمة وتعسّفية وغير مُبرّرة الى حدٍ بعيد. والإطار الزمني، (يوم عمل او تدريب) لكل هذه الانكشافات والصراعات والمَقاتِل، يعوزها الكثير لتصبح مقنعةً. إذ تبدو الغاية الوحيدة هى التشويق وسحب الأنفاس ليس إلاّ، مثل افلام الاكشن العادية او الأعمال التلفزيونية السائدة حالياً؛ والتى يُطلق عليها Real TV، وهى ليست Real. فألونزو لا يبدو مضطراً الى جرِّ تلميذه الجديد الى هذا الطريق وبسرعة منذ اليوم الأول، بل يبدو كمن يطلب من تلميذه أن يتخلّص منه او يحرِّره من السقوط والانحطاط الذى ينغمس فيه. وفى أمريكا، فان الممثلين الذين يستطيعون أن يتحولّوا Transform فى أدائهم لأدوارهم ينالون الاوسكارات. ويبدو أن واشنطن اقنع الأكاديمية بتحولّه فى هذا الفيلم، مثلما تحولّ تماماً كل من سين بين فى فيلم "أنا سام" وكذلك رسل كرو فى فيلم "عقل جميل". ولكن الأكاديمية باختيارها لواشنطن لجائزة الأوسكار، ظلمت الممثل ويل سميث الذى حقق تحوّلاً رائعاً ومزدوجاً (روحياً وبدنياً) فى أدائه لشخصية محمد علي. كما ظلمت واحداً من أعظم أبطال العالم فى الرياضة ومناضلاً إنسانياً اسود البشرة دفع ثمناً باهظاً لمواقفه ضد السياسة الأمريكية العدوانية فى الداخل والخارج. كل هذا الظلم والتحيّز مارسته الأكاديمية - ومن هم خلفها - لتمجيد نموذج "متخيَّل" لشرطى اسود منحرف جداً، فى أوساط إجرامية إثنية "متخيّلة" أيضاً.
حتى فى تكريمهم للسود والملونين، لم ينسوا أن يضربوهم تحت الحزام!.
السلام عليكم
- من يشاهد فيلم المخرج أنطوان فوكوا الأخير؛ "يوم التدريب"، يتمنى أن لا يصدِّق عينيه لأنَّ المخرج يلعب بقسوة على أعصاب المشاهدين. ومع انّ الفيلم مُلقى تماماً على كاهل الممثل الشهير دنزل واشنطن، فإنّ أداءهُ لدور "ألونزو هاريس" ضابط شرطة مكافحة المخدرات البارز، ليس من الأمور المعتادة بالنسبة لواشنطن، الذى يحمل الصدق والكرامة والشرف على كتفيه دائماً، وفى كل أدواره السينمائية المعروفة فى أفلام مثل "المجد"، "فيلادلفيا"، "مالكولم X"، "الإعصار". وحتى فى أفلامه التجارية الناجحة التصقت به صورة البطل والمدافع عن الخير بصورة او أخري. ولأن واشنطن يبقى فى أذهان الجميع؛ صوتاً اسود هادراً ضد الظلم والعنصرية وسوء الفهم، فإن دور "ألونزو هاريس" ضابط الشرطة المراوغ، الملتوي، يبدو محيِّراً. إنه ليس ذاك الشرطى الفاسد المعتاد فى السينما، ولا يبدو انه تورّط فجأة فأصبح فاسداً. إنه يتحدى المشاهدين طوال الوقت، أنْ يحزروا هويته ... والى أى جانب يقف!. إنه بهلوان ممتاز على حبال مشدودة بين الخير والشر، أو الحق والباطل. والأدق إنه يرقص برشاقة وكفاءة على الحبال المشدودة بين القانون والجريمة. ولكنْ، ما هو الحق وما هو الباطل. من يُحدّدهما، ألا يتداخلان أحياناً. هل القانون يعنى الحق؟. هل الجريمة تعنى الباطل؟ .. وبمرور الوقت، يتمكن واشنطن من تشويشنا تماماً، وكذلك تشويش مساعده الجديد الضابط المبتدئ "جيك هُويْت" الذى يقوم بدوره الممثل ايثان هوك. وتقريباً نصدِّق مع "هويت" فلسفة "ألونزو" الجديدة او سياساته الواقعية RealPolitik الى حدٍّ ما. فمقر فرقة مكافحة المخدرات ليس خلف الجدران السميكة فى البنايات العالية، بل فى سيارة سريعة تجوب شوارع المدينة وأحياءها ليل نهار. وبدل الأساليب المعتادة من: "لك الحق فى التزام الصمت ..." والتحقيقات المطوّلة والحماية القانونية، على رجال الشرطة أن يكونوا ذئاباً ليتمكنوا من محاربة الذئاب التى تملأ شوارع المدينة. وهكذا يتحول عملهم - فعلياً - الى مداهمات فجائية، سريعة، عنيفة، بدون مُذكِّرات او أوامر قضائية؛ يتحول الى تلاعب بالأدلة وسرقة للغنائم من أموال ومخدرات مع إفراط فى ممارسة العنف البدنى واللفظى مع المشبوهين وسط الشارع، وتصفية الحساب معهم شخصياً وفورياً بدون انتظار المحاكم الطويلة، ومناورات المحامين البارعين الذين يتمكنون، ببساطة أحياناً، من تخليص المجرمين من براثن القانون. ولأن فلسفة ألونزو تقوم على العقل والمرونة والكفاءة كما يدّعي، فإن بإمكانك إقامة علاقات غير عادية مع بعض المشبوهين للحصول على معلومات ولضرب العصابات ببعضها البعض. لا بل تستطيع أن تتبادل معهم بعض الخدمات أيضاً. باختصار، يجب أن تكون خلاّقاً فى عملك. وماذا أيضاً؟ ... تستطيع أن تتناول البيرة فى سيارة الشرطة طوال الوقت. كما تستطيع تناول مشروب كحولى قوى أحياناً، وحتى تعاطى المخدرات أيضاً أثناء أوقات العمل! ... إذ كيف ستكون ذئباً بدون هذه الأشياء والممارسات. كيف ستحارب المخدرات وانت لا تدرى ماهية هذه المخدرات وأنواعها وتأثيراتها. وفى مشهد غير مسبوق يُجبِر ضابط شرطة كبير مساعدهُ المبتدئ على تعاطى المخدرات تحت تهديد السلاح فى سيارة الدورية ... وهذا أول الغيث. وعندما تكون بهذه المرونة والتحرّر من اللوائح، فلا بد أن تكون متساهلاً فى مسائل الإخلاص العاطفى والجنسى أيضاً. وبالفعل، فإن شرطينا البارز "ألونزو"، حامل النياشين والأوسمة، له عشيقات وابناء فراش أيضاً. أما إنجازه الأكبر والنهائى فهو تحويله لمجموعة مساعديه الأشدّاء والأكفّاء الى "عصابة" قوية جداً، تقوم بكل الأعمال الإجرامية من سرقة وقتل وترويع فى وضح النهار. وبالتأكيد هناك رجال شرطة فى العالم الواقعى مثل ألونزو او أسوأ، وفى كل مكان وزمان. ولكنّ ألونزو يقف وراءه ساحرٌ كبير: دنزل واشنطن، كما يمتاز بلباقة وسلاسة وجمالية خاصة. إنه يتصرف مثل نبيٍ غير مُرسَلْ، او ملاكٍ سقط دون أن يدري. وهذا يظهر حتى فى ملابسه السوداء، ومجموعة السلاسل والصلبان الفضية الكبيرة على صدره، وأحاديثه عن الدين والإيمان والالتزام؛ حيث يحاول خلط الأوراق وتبرير كل شيء، مستفيداً من تاريخه الشخصى وحضوره الكاريزماتى وسطوته على الشارع الإجرامي. لكنّه يعبرُ الحدود. يُصدِّق أسطورته اكثر من اللازم. وفجأة، نراه يقتل المجرمين ببرود أعصاب بدلاً من تقديمهم للمحاكمة، يسرق ملايينهم ليعطيها الى المافيا الروسية كدية او تعويض عن قتله احد كبار هذه المافيا. وأخيراً يُسلّم مساعده الجديد - جداً - الذى لم تعد تنطلى عليه هذه التعاليم والوصايا الجديدة، الى عصابة عنيفة من السلفادوريين ليقتلوه ! . لكن فى يوم التدريب هذا، تتفكك الأسطورة، وينهار البنيان. ينقلب الجميع ضد ألونزو والذى سئموا من سطوته وهيمنته و"تبشيره" أيضاً فى أوساط العالم السفلى وعصاباته السوداء والهسبانية. وفعلياً يساعد هؤلاء الشرطيَ المبتدئ "هويت" ليتخلص من هذا الإبليس الأسود!.
-2-
إبليس/أسود، وملاك/ابيض، هما نجما الفيلم الساطعان. وما يقع بينهما من الألوان/الأعراق ملوّثٌ أيضاً. ويستفيد المخرج تماماً من عدم قدرة المشاهدين على تصديق ما يجرى وخصوصاً على يدى الفنان واشنطن، ليزيد تدريجياً جرعات الفساد والسقوط التى يكشفها واشنطن أمامنا بكل سعادة. وعلى حد قول الأخير لإحدى المجلات: الأشرار يحصلون على المتعة والمرح دائماً. الجميع يحبهم او يحسدهم، لأنهم يستطيعون قولَ وفعلَ ما يشاءون . وقد يذكرِّنا الفيلم بأفلام من هذا النوع مثل "الشؤون الداخلية"، "لوس أنجلوس: سرى للغاية"، "طريق رقم 9"، "الاتصال الفرنسي"، "الملازم السيء" وغيرها. الاّ انه يتفوق عليها جميعاً وخصوصاً فى جرأته العنصرية. فكل الأحداث تدور فى أماكن وتجمعات إثنية سوداء ولاتينية؛ غير البيض - فى الفيلم - يظهرون بصورة نمطية سلبية جداً؛ خطِرين، ذوى صلات قوية بعالم الإجرام، على استعداد دائم لاستعمال العنف. كما أن الشرطى السيء جداً، هو أسود أيضاً. ولتكتمل الصورة تماماً، فإنّ الشرطى المبتدئ الأبيض الذى يتعرض الى صنوف عديدة من الخداع والعنف ويُجبر على تعاطى المخدرات والسكوت عن جرائم القتل والسرقة ... هو الأمل الأخير لكسر إمبراطورية ألونزو الكريهة.
ابيض/ملاك، اسود/شيطان. انهما حتى لا يتبادلان الأدوار أحياناً، لكن يخلّدان فيها. ولأن مخرج الفيلم اسود وبطله أشهر ممثل اسود، ينجو الفيلم من الاتهام بالعنصرية والتمييز العرقي. وما لا يفهمه العديد من الناس، وبضمنهم بعض المثقفين والمبدعين، إنه ليس بالضرورة أن تكون ابيض لتكره او تحتقر السود والملونين، وليس بالضرورة أن تكون يهودياً لتكون صهيونياً. ربما تكون عربياً وصهيونياً فى نفس الوقت، ومع إنها مفارقة الا إنها حاصلة شئنا ام أبينا. وفيلم "علي" عن سيرة البطل الأسود محمد على يخبرنا عن العديد من الأبطال والمشاهير السود الذين يهجرون قومهم وأصلهم وجلدهم ما ان يتربعوا على العروش. وفى رأيي، ان الفيلم يسقط فى براثن العنصرية والتنميط العرقى بالرغم من لون بشرة مخرجه وبطله. وبالطبع فان واشنطن وهوك رائعان الى ابعد الحدود، مُقنعان جداً فى دوريهما. وقد اختارهما المخرج بمنتهى الذكاء مستفيداً من قابلياتهما العالية ومستواهما الفنى وثقافتهما وكذلك من صورتيهما امام الجماهير. إذ يبدو هوك - منذ البداية - مفعوصاً أمام واشنطن، ويزداد إنفعاصاً بمرور الوقت فى يوم التدريب المشؤوم هذا ... الى الحد الذى لم يعد فيه السكوت ممكناً. فواشنطن/ألونزو، لا يمارس فعل الإذلال على تلميذه فحسب بل على المشاهدين أيضاً، مغلِّفاً كل شروره بحكمة وروحانية "شوارعية" جديدة. ويعيش هوك/هويت، هذا الانسحاق مثل أبله او ساذج، معتمداً على ما تعلّمه فى أكاديمية الشرطة والمنطق العادى الذى يتناقض كلياً مع تجارب وأساليب الونزو "الواقعية" الجديدة. وبمرور الوقت يفقد ألونزو/واشنطن سحره السينمائى بينما يكتسبه هُويْت/هوك. والحقيقة إن الوجود المتلازم للممثلَين واشنطن/هوك، وشخصيتَيهما: شرطى سيء ذكي/شرطى نظيف ساذج، وشيطان اسود/ملاك ابيض ... يعطى الفيلم قوة درامية ومستوى فنى لا يستحقهما - او لا يحققهما - بغياب المزدوج الأول (واشنطن/هوك).
فمعظم أحداث الفيلم والمواقف التى يصادفها بطلا الفيلم والتى ستعلب ادواراً حاسمة فى مصيريهما لاحقاً ... تبدو مقحمة وتعسّفية وغير مُبرّرة الى حدٍ بعيد. والإطار الزمني، (يوم عمل او تدريب) لكل هذه الانكشافات والصراعات والمَقاتِل، يعوزها الكثير لتصبح مقنعةً. إذ تبدو الغاية الوحيدة هى التشويق وسحب الأنفاس ليس إلاّ، مثل افلام الاكشن العادية او الأعمال التلفزيونية السائدة حالياً؛ والتى يُطلق عليها Real TV، وهى ليست Real. فألونزو لا يبدو مضطراً الى جرِّ تلميذه الجديد الى هذا الطريق وبسرعة منذ اليوم الأول، بل يبدو كمن يطلب من تلميذه أن يتخلّص منه او يحرِّره من السقوط والانحطاط الذى ينغمس فيه. وفى أمريكا، فان الممثلين الذين يستطيعون أن يتحولّوا Transform فى أدائهم لأدوارهم ينالون الاوسكارات. ويبدو أن واشنطن اقنع الأكاديمية بتحولّه فى هذا الفيلم، مثلما تحولّ تماماً كل من سين بين فى فيلم "أنا سام" وكذلك رسل كرو فى فيلم "عقل جميل". ولكن الأكاديمية باختيارها لواشنطن لجائزة الأوسكار، ظلمت الممثل ويل سميث الذى حقق تحوّلاً رائعاً ومزدوجاً (روحياً وبدنياً) فى أدائه لشخصية محمد علي. كما ظلمت واحداً من أعظم أبطال العالم فى الرياضة ومناضلاً إنسانياً اسود البشرة دفع ثمناً باهظاً لمواقفه ضد السياسة الأمريكية العدوانية فى الداخل والخارج. كل هذا الظلم والتحيّز مارسته الأكاديمية - ومن هم خلفها - لتمجيد نموذج "متخيَّل" لشرطى اسود منحرف جداً، فى أوساط إجرامية إثنية "متخيّلة" أيضاً.
حتى فى تكريمهم للسود والملونين، لم ينسوا أن يضربوهم تحت الحزام!.