المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حالات الصمت


حاتم
11/7/2002, 03:48
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ............

حلات الصمت
محمد حسين علاوي


هل هو حالة من حالات التواصل الإشارى فى اللغة ؟
من المعروف أن الإشارات والحركات التى تستخدمها الشعوب لها مدلولات تعبيرية لغوية تتصل اتصالاً وثيقاً بالهوية الثقافية والاجتماعية والدينية لتلك الشعوب، سواءً كانت تلك الاشارات ذات طبيعة ساكنة أو متحركة. فالاشارات ذات الطبيعة الساكنة تمثل إشارات الاتجاهات والمرور والرموز الأخري، أما تلك التى تمتلك خاصية الحركة فتمثل الاشارات النفسية والاجتماعية والدينية وإشارات التحية والسخرية والتحدى وإيمائتى الايجاب "نعم" والنفى "لا" وغيرها.
وقد قيل إن الاشارة هى اقتصاد فى التعبير أو الكلام، وأكثر ما تستعمل عند الشعوب المضطهدة أو المغلوبة على أمرها أو تلك التى لا يمكنها التعبير عن نفسها، فالشخص الذى يفتقد الحرية حاله كحال الأخرس الذى لا يمكنه التعبير عن نفسه إلاّ من خلال الإشارة. أما بوجود حرية البوح والسماح بالكلام، فان التواصل الاشارى يكون قليلاً إنْ لم يكن معدوماً. فقد حدثنى أحد أصدقائى العرب إنه غمزَ فتاةً فى أحد المطاعم الاجنبية بعد أن أطالت النظر اليه. فانزعجت منه الفتاة وابدتْ استغرابها من استعمال صاحبى الإشارة بدلاً الكلام. فكان بإمكانه ان يكلمها ويفصح لها عن رغباته سيما وان البوح بالرأى غير محرم فى ذلك البلد. وقيل أيضاً إن الرأى آنف الذكر ليس صحيحاً. فالتواصل الاشارى ما هو إلاّ نتاج ثقافى - اجتماعى يتصل اتصالاً وثيقاً بفنون وآداب كل الحضارات وانها تعابير مصاحبة للتعابير اللغوية عند كل الشعوب وبمختلف شرائحها الاجتماعية.
وفى الجـزء الأول من كتابه "البيان والتبيين"، يؤكد أبو عثمان الجاحظ أن الاشارة كثيراً ما تنوب عن اللفظ، وهى عونٌ له وترجمان عنه. وقد عالج القرآن الكريم حالة الصمت كحالة من حالات التواصل الاشاري. ففى الآيتين 9، 10 من سورة "مريم"، قال سبحانه: قال ربِّ اجعل لى آية قال آيتك ألاّ تُكلم الناس ثلاث ليالٍ سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى اليهم أن سبِّحوا بكرة وعشيا . فمعنى أوحى اليهم فى هذه الآية أشار اليهم صامتاً - كما جاء فى مختار الصحاح للرازي. وفى الآية 29 من نفس السورة ما يؤكد أن للإشارة مدلولاً لغوياً، حيث يقول جل شأنه فأشارت اليه قالوا كيف نكلم مَنْ كان فى المهد صبيا فان مريم لاذت بالصمت ولكنه الصمت الاشارى المعبِّر الذى يقول: كلموه ! أو اسألوه ! مما دعاهم إلى الاستنكار والردّ على هذا الصمت الناطق المعبِّر بقولهم: كيف نكلم مَنْ كان فى المهد صبيا؟!
وفى الفن، يمكن للفنان أن يرسم صورة أى إنسانٍ يريد رسمه ولكنه لا يمكنه التعبير عن أفكاره وعواطفه وطقوسه إلاّ باستخدام الدلالات الإشارية التى من شأنها التعبير عن خلجات النفس الانسانية. فاللوحة الفنية صامتة لا يمكن ان تنطق إلاّ بالاشارة الفنية.
وفى الشعر، كثيراً ما استعمل الصمت كحالة من حالات التواصل الاشاري. يقول الشاعر:
أودُّ صراخً الصمتِ فى لغةِ المنفي
كـأنّا عقدنا فى مـودَّتنا حِلفا
ويقول أيضاً:
يا غضبي، ما بينَ المنفى وعبوركَ من فوق السورْ
شهقةُ أُمي، تتحرقُ خلَفَ التنورْ
تُشعلُ مِن عفنِ الخبزِ ومن صمتِ الصمتِ
شموعَ نذورْ
تنثرُ أشلاءَ جدائِلها، تصرخُ - صمتاً - يالله !
لكنكَ يا غضبَ المنفي
لا تفقهُ من دعوة أمى غيرَ الآه .
فعندما يكون الصمت دلالة إشارية تضج بالصراخ أو تعبيراً صاخباً عن اللفظ، يتحول اللاكلام إلى كلامٍ يضج بالمعاني. فبالصمت، يمكن للانسان ان يتواصل مع ربهِ ومع الآخرين.
وفى العلاقات الاجتماعية، يكون للصمت أكثر من معنيً إشارى كالسخرية والتهكم والرضى والإنكار وغيرها، وأذكر أن صديقاً اصطحبنى معه يوماً إلى أمسيةٍ ثقافية فى مدينة الكاظمية ببغداد حينما أقبل عالِم الاجتماع العراقى على الوردى وجلسَ بالقرب منا، وبعد ان استقر به المقام، بدأ صاحبى بتوجيه اللوم له لرأيٍ طرحه فى إحدى محاضراتهِ. وبالرغم من أن الدكتور لاذَ بالصمت المطبق تاركاً لصاحبى صخبه وصراخه، فقد كنتُ الوحيد الذى يسمعُ ردَّ الدكتور عليه. فكان يقول له بصمت المتهكم: رويدك يا أخي، فأنت لا تفهم جوهر المسألة ولا طبيعة الرأى الذى طرحته. فالأحرى بكَ ان لا تكلمنى هكذا والأحرى بى أن لا أردَّ عليكَ إلاّ صمتاً .
فما هو هذا الصمت؟ هل هو اللاكلام ؟ هل هو حبس الصوت ؟ ما الفرق بين الصمت والسكوت؟ وهل يمكن أن نتواصل مع الآخرين بالصمت دون النظر إلى ملامحهم أو تعابيرهم الاشارية الأخري؟ فمثلاً : هل يمكن للاعمى أن يتواصل إشارياً مع أُناس صامتين ؟
قد يظن البعض، خطأً، ان الصمت ما هو إلاّ إحساس بالجدب الروحى أو الإخفاق فى صنع كلام مفهوم نافع يتواصل به الانسان مع الآخرين أو أنه حالة من حالات مرض
النفس أو انه إحساس بالقنوط واليأس من عدمية المنفعة فى الكلام. والمقصود بكل هذه الحالات هو السكوت الذى هو أقرب إلى السكون (لغةً). أما الصمت الذى نقصده ونؤكد عليه فهو الدلالة الاشارية القادرة على التعبير.
لذلك قيل: هناك الكلام الصائت والكلام الصامت. وكما أن للإنسان صوت وضمير، فان الكلمة صوتٌ ضميرها الصمت.
وقد يكون للسكوت معنيً مرادفٌ للصمت إذا امتلكَ الخاصية الدلالية أو التعبيرية. وإلاّ ما معنى قول النبى الأعظم محمد بعد أن كلّم ابنته فاطمة بشأن زواجها من على بن أبى طالب سكوتها إقرارها ؟؟ ألم يسرِ رضاها الذى نمَّ عنه سكوتها تشريعاً ؟؟ فيكون معنى السكوت هنا هو الصمت المعبِّر الذى يقول لرسول الله: نعم، أنا موافقة يا والدى . وبهذا يكون للصمت حقٌ فى أن نسميه "حالة إشارية معرفية".
بقى أن نقول إنَّ ملامح الناس المرتسمة على وجوههم وعيونهم والموشومة فى حركاتهم قد تفسر ما يبوح به صمتهم.
فكما ان القارئ يحاول نقل المقروء (الصمت) إلى البوح (الكلام)، فإن الناظر يرى فى وجوه وعيون وحركات الآخرين ما يفسر صمتهم. وكما أن الكلام لا يمكن ان يكون تعبيراً مفهوماً وتواصلياً إلاّ بوجود اللسان والحنجرة والشفتين، فالصمت لا يمكن أن يكون إشارياً تواصلياً إلاّ بوجود ملامح الصامت ... عينيه، يديه، تقاطيع وجهه، قامته أو بالأحرى جسده كله.
إذن، من أجل أن يكون الصمت حالة من حالات التواصل الإشاري، لا بد من النظر إلى ملامح الصامت لسبر غورها ومعرفة مكنونها، وذلك يحتاج طبعاً إلى نباهة الناظر إنْ لم نقل إلى حاستهِ السادسة.
وبعد، ماذا عن الكلام المكتوب: هل نعتبره صمتاً أو كلاماً ؟؟ فى العدد الخامس من مجلة "العرب والفكر العالمي" كتب الأديب العربى مطاع صفدى ما نصه: الكلام المكتوب هو صمت مرسوم. فالكتابة هى التى تتجاوز الكلام فى ان تجعله صمتاً.. لكن القراءة هى ملتقى الكلام والصوت والصمت



المرجع//حالات الصمت ..

محمد حسين علاوي